الرئيسية / وجهات نظر / مَـنْ يحكم الجزائـــر؟
301a9b2311a9acc4c285b55c666d6efc

مَـنْ يحكم الجزائـــر؟

فى تقدم «عبدالعزيز بوتفليقة» إلى «مدة رئاسية رابعة» سؤال ملح يعترض ترشحه: من يحكم الجزائر؟
الرجل «شبه مقعد» أفقدته جلطة دماغية قدرته على الحكم، يخرج بالكاد لدقائق معدودة على فترات متباعدة أمام الكاميرات ليؤكد أنه مازال على قيد الحياة.
باستثناءات نادرة فهو لا يشارك فى أى اجتماعات حكومية ولا يلتقى مسئولين أجانب يزورون بلاده ولا يغادرها لاجتماعات دولية تقتضى حضوره.
فى وضع «التعطيل الرئاسى» فإنه من الطبيعى والإنسانى والسياسى ألا ينزع إلى تمديد رئاسته، وهو نفسه قال قبل عامين إنه ينتمى إلى «جيل انتهى».
الأكثر لفتا للانتباه فى قصة ترشحه وملابساتها وأسرارها أنه لم يعلن ترشحه بنفسه ولا لياقته الذهنية تسمح بأن يخاطب شعبه عن برنامجه الانتخابى وحملته يتولاها وكلاء ومندوبون من داخل الجهازين الحكومى والحزبى يتحدثون باسمه.
الأكثر إثارة وغموضا أن «الرئيس المُعطل» استبق الانتخابات بترتيبات عسكرية دراماتيكية تضمنت تقليص نفوذ رئيس الاستخبارات بما يعد شبه انقلاب فى معادلات السلطة وإحجام أطرافها.
فى الترتيبات أجواء صراعات سلطة تتحسب للمستقبل أكثر من أية حسابات تخصه.
المعنى هنا أن ترشح رجل تخذله بقسوة أوضاعه الصحية لفترة رئاسية جديدة تعتبر مهلة إضافية لترتيبات ما بعده.
إذا كان هو لا يحكم فمن يتخذ القرارات الرئيسية فى بلد عربى محوري؟
أو بصيغة أخرى: من الذى يحكم؟
السؤال بذاته يعنى أنه لم تستقر فى الجزائر شرعية دستورية تنقلها إلى عهد جديد بقيمه الحديثة، وأنه لا قواعد تضمن نقل السلطة بالوسائل الديمقراطية.
البنية السياسية هشة ومستنفذة وأقرب إلى التجمعات البيروقراطية التابعة للدولة، فـ«جبهة التحرير الوطنى» لم تعد على الصورة التى كانت عليها فى سنوات التحرير أو بعد الاستقلال، قياداتها التاريخية اختفت بعوامل الزمن أو الإقصاء، استهلكت صلاحيتها السياسية والفساد نهش تاريخها.. و«التجمع الوطنى الديمقراطى» حزب سلطة بالمعنى التقليدى وقد تراجع وزنه على عهد «بوتفليقة» لكنه ظل مواليا للدولة ووفيا لطبيعة نشأته فى أحضانها.
فى قرار ترشحه لمدة رئاسية رابعة تداخل ما بين نفوذ عائلته فى القرار السياسى بلا سند دستورى ومصالح مالية تطلب تمديدا للرجل المريض حتى لا تداهمها اعتبارات التحول فى لحظة جنى الأرباح.
فى فوضى الحكم وارتباكاته فإن الجيش صاحب القرار الأخير عندما يحين وقته.. لا عائلته ولا جماعته ولا أحزاب السلطة التى تروج له باسم «تعزيز الاستقرار» ولا الإدارات العامة التى أحالت الانتخابات الرئاسية إلى ما يشبه الاستفتاء.
أمام أزمة الشرعية المستحكمة فإن عودة محتملة للجيش إلى مقدمة المسرح السياسى لا يمكن استبعادها.
بتعبير شبه صادم لكنه مصدق منسوب لـ«وليد حمروش» رئيس الحكومة الأسبق فإنه: «لا يوجد فى الجزائر سوى شرعية الجيش».
الجيوش لا تؤسس لشرعيات، تحمى الشرعية لكنها لا تصنعها. فى الجزائر الوضع أكثر تعقيدا من أى دولة أخرى، فجيش التحرير الوطنى هو الذى خاض حرب المليون ونصف المليون شهيد وأسس الدولة المستقلة، وقضية الشرعية فى الجزائر ترتبط تاريخيا بصورة وثيقة بقضية الاستقلال وحربها.
لم تكن مصادفة أن كل من تولوا رئاستها انتموا فى مرحلة من حياتهم إلى جيش التحرير الوطنى. الانتماء إليه بطاقة تزكية ضرورية لتولى المنصب الرئاسى.
قد يتصاعد دور الجيش أو يتوارى من مرحلة لأخرى لكنه يظل الحقيقة السياسية الكبرى.
حسم صراع السلطة بعد الاستقلال لصالح أبرز قادة الثورة الجزائرية «أحمد بن بللا»، غير أنه أطاحه تاليا على يد صديقه القديم «هوارى بومدين»، وفرض بعد رحيل الأخير ضابطا آخر هو «الشاذلى بن جديد» رئيسا للبلاد على حساب وزير الخارجية فى ذلك الوقت «بوتفليقة» غير أنه عزله تاليا فى انقلاب عسكرى ألغى نتائج الجولة الأولى من الانتخابات النيابية لمنع صعود «جبهة الإنقاذ الإسلامية» إلى السلطة التى توعدت بتقويض الحريات المدنية العامة، وتولى قائده اللواء «خالد نزار» اختيار الرؤساء واحدا إثر آخر دون أن يتقدم هو لرئاسة الجمهورية!
لكل تحول قصته وبعض القصص إلى تراجيدية غير أنها معا تؤشر للدور الحاسم للمؤسسة العسكرية الجزائرية عبر العقود التى تلت الاستقلال، لكن هذه أوضاع لا يتصور أن تتمدد إلى مالا نهاية.
جيل الاستقلال غادر الحياة تقريبا وقيمه الرئيسية بهتت فى الحياة السياسية والعصور بتحدياتها اختلفت بعمق وقضية الشرعية دخلت إلى اختبارات قاسية مرة بعد أخرى أخطرها ما يطلق عليها فى الجزائر «العشرية السوداء»، أو سنوات الحرب الأهلية العشر التى استبيح خلالها الدم الجزائرى على أبشع الصور وارتكبت جماعات إسلامية متشددة جرائم بحق الإنسانية والمواطن العادى وتورط الجيش فى جرائم أخرى ثبتت بحقه استخدمت للتشهير به على أوسع نطاق دولى.
بصورة أو أخرى فإن «بوتفليقة» الذى استدعاه الجنرالات عام (١٩٩٩) من منفاه الاختيارى إلى رئاسة الدولة نجح نسبيا فى تقليص المكون العسكرى فى السلطة استنادا إلى أن الجيش استنفد طاقاته ومعنوياته فى «العشرية السوداء». كانت هناك فرصة لتأسيس دولة حديثة لكنها أهدرت، وفرصة أخرى لبناء ديمقراطى أرسخ مما هو قائم لا يحيل الانتخابات إلى استفتاءات لكنها تاهت فى دهاليز السلطة.
الخطى الجزائرية ترتبك وهى تذهب فى أبريل الحالى إلى صناديق الاقتراع، فالنتائج محسومة سلفا، غير أن الرئاسة لن تمارس مهامها. هذا وضع لا مثيل لفوضويته فالرئاسات تنتخب لتحكم لا لأن ترهن الدولة لحالتها الصحية المتدهورة.
أن يزور وزير الخارجية الأمريكى «جون كيري» الجزائر قبل الانتخابات مباشرة ليعاين بنفسه حالة «بوتفليقة» الصحية وانعكاساتها على الاستقرار فيها ومعادلات محيطها فهذه إهانة على المستويين السياسى والرمزى لبلد بعراقة وأهمية البلد الذى يترأسه.
يحسب له أنه بدأ عهده بسياستى «الوئام المدنى» و«المصالحة الوطنية» وأنهى سنوات الرعب، لكن صلب التوجه لم يكن من عنده، فقد سبقته ومهدت له اتصالات تولاها جنرالات مع جماعات إسلامية وتفاهمات صاغتها حقائق القوة: إلقاء السلاح مقابل نيل العفو.
الجيش المنهك استدعى «بوتفليقة» للرئاسة لمهمة وضع اللمسات الأخيرة على نصوص التفاهمات وأن يكون المشهد أمام العالم مدنيا، فهو دبلوماسى عتيد تولى وزارة الخارجية طوال سنوات «بومدين».
بدا هو لا غيره الخيار الممكن أمام المؤسسة العسكرية لتهدئة محكومة فى ملف الأمن والحفاظ على الطابع المدنى للدولة.
ويحسب له أنه تمكن فى سنواته الأولى من تحقيق الاستقرار واستعادة العافية للاقتصاد لكنه بمضى الوقت استنفد شرعيته وطاردته اتهامات الفساد، وكأى ديكتاتور شرقى عدل الدستور ومدد لنفسه وتقبل أن يرشح لرئاسة غير قادر على الاضطلاع بمهامها أو أن يحكم باسمه دون أن يكون هو صاحب القرار الحقيقى.
الوضع كله بين قوسين كبيرين وتدخل الجيش شبه مؤكد فى مدى منظور.
“الشروق” المصرية