الرئيسية / وجهات نظر / «داعش» إذ يتمدد في ليبيا.. الى أين من هناك؟
KHAROUB

«داعش» إذ يتمدد في ليبيا.. الى أين من هناك؟

بقلم: محمد خروب*

لم يعد وجود داعش في ليبيا خجولاً أو مجرد خلايا نائمة، تضرب هنا ثم تختفي الى ان تحين فرصة اخرى ليُعلِن عن عملية تفجير أو اغتيال، بل بات كياناً واثقاً من نفسه، لا يتردد في القيام بعمليات واسعة النطاق تستهدف السيطرة على مواقع استراتيجية واخرى حساسة وثالثة يمكن ان تكون بمثابة رسالة أو منصة للانطلاق الى هدف محدد بعينه، يراد من وراء الاعلان عنه، صرف انظار خصومه عن الوجهة الحقيقية لضربته التالية، على النحو الذي رأيناه في سيطرته على مطار مدينة سرت والقاعدة العسكرية القريبة منه والمسماة «القرضابية»، وكانت عملية مُدوّية، انعكست في التصريحات المُرتبكة والمأزومة التي تفوح منها رائحة الخوف، والتي أدلى بها رئيسا «حكومتي» ليبيا، سواء تلك التي يُقال أنه مُعترف بها دولياً ويرأسها عبدالله الثني ومقرها شرق البلاد في طبرق وبعض احياء بنغازي، أم الثانية التي توصف بغير الشرعية والتي أتخذت من العاصمة طرابلس مقراً لها، وخلعت على نفسها صفة الشرعية عبر تمسكها بالمجلس الوطني العام «المُنحلّ بقرار من المحكمة العليا الليبية» ويرأسها خليفة الغويل..
تمدد داعش الى سرت (مسقط رأس القذافي) يتعدى البُعد العسكري المهم والحيوي الذي انطوت عليه عملية اجتياحه الى ما هو اخطر من ذلك، وهو الاقتراب «الشديد» من الهلال النفطي الذي يضم الثروة الليبية الحقيقية، واذا ما نجح هذا التنظيم، الذي يبدو انه لديه عقول تخطيط استراتيجية، ذات خبرة وتفكير بارد، في الاستيلاء على الهلال النفطي، فإن الامور في الهضبة الليبية وخصوصاً في جوارها، سواء جوارها الشرقي (مصر) أم جارتها الغربية (تونس) التي تواجه هي الاخرى أوضاعاً أمنيّة صعبة، بعد اصرار الجماعات التكفيرية على تعكير صفو الأمن فيها وتقارف من الجرائم والارتكابات ما يثير المخاوف، من امكانية أن تصبح فرعاً لتنظيم داعش، رغم الالتباس الحاصل في شأن «مبايعتها» التي قيل أن مجموعات مُسلّحة اشهرتها لصالح «دولة الخلافة» المزعومة.
هل قلنا الجماعات التكفيرية؟
نعم، فرئيس حكومة طرابلس المدعوم بل المُعيّن من قبل مجموعات اسلامية وعلى رأسها «الاخوان المسلمون»، الذين يتخفّون وراء ميليشيا «فجر ليبيا»، خرج علينا بتصريح اقرب الى الفتوى (إن جاز التعبير) وَصَفَ فيه افراد داعش بأنهم «خوارج قتلة، دخلوا ليبيا مُدّعين انهم يمثلون الاسلام والاسلام منهم براء»، ما يعني أن الرجل يناور في مربع الاسلام السياسي، وقد يكون خَشِيَ رد فعل غاضب لو كان دعاهم الى الاتحاد أو التحالف لمحاربة أعداء الاسلام، علماً أن خطاب ميليشيا فجر ليبيا التي نصّبته رئيساً لحكومة وهمية، لا يختلف كثيراً عن خطاب داعش التكفيري.
عبدالله الثني، الذي لم ينجح في مهمته او هو خيّب ظن ما يوصف بالمجتمع الدولي (وبعض العرب) الذي اضفى «شرعية» على حكومته وراهن خصوصاً على قائد الجيش الذي رُفّع الى رتبة فريق (الجنرال خليفة حفتر).. ونجا (الثني) اكثر من محاولة اغتيال، كان آخرها قبل يومين، لم يجد رداً ازاء استيلاء داعش على مطار سرت سوى العزف على وتر المخاوف الاوروبية في بعديها الاقتصادي و»المعنوي»، إن لجهة «التبشير» بالمؤشر الخطير وهو سعي داعش للاستيلاء على المؤسسات والمنشآت النفطية القريبة من مطار سرت، أم لجهة البناء على هذا المسعى الداعشي والقول ان هدفاً آخر خطيراً، يكمن خلف ذلك، وهو استخدام ميناء طرابلس كقاعدة لادخال المتطرفين الى الموانئ، واستخدامها كنقطة انطلاق للهجرة غير الشرعية وهو أمر يثير رعب اوروبا ويخلق لها مشكلات اجتماعية واقتصادية وخصوصاً أمنيّة، تجد تجلياتها في ازدياد العداء للعرب والمسلمين الذي تمثله منظمات قومية عنصرية متطرفة كمنظمة «بيغيدا» الالمانية وغيرها.
ليبيا تقف أمام مفترق طرق حقيقي، ولم يعد أمامها خيارات عديدة بعد ان بات الانهيار الشامل والدخول في حال من الفوضى والفلتان الأمني، هو الاكثر احتمالاً ويبدو ان «حظ» الوساطة الأُممية المرتبكة التي يقودها المبعوث الدولي «ليون»، وتلك الخجولة التي تقوم بها بعض العواصم العربية وبخاصة القريبة من ليبيا… ليس كبيراً، بدليل إنعدام التجاوب بين الفرقاء الليبيين، واصرار الداعمين للاطراف المتحاربة على المضي قدماً في دعمهم «الأعمى» الذي تفوح منه رائحة الحقد والثأر وبخاصة من قبل داعمي ميليشيات فجر ليبيا، كي تعود ليبيا وشعبها الى العصور الوسطى، لكن الاكثر خطورة من هذا «الهدف الاجرامي» هو تهديد مصر (لا تنسوا تونس والجزائر) وتعريض وحدتها الجغرافية الى الخطر وتحويلها الى ساحة «جهاد» لمنظمات التكفير والذبح والسبي والحرق، وجزء من دولة «الخلافة» المُتخيّلة.. فإلى اين يأخذون ليبيا؟ وكيف يمكن لأحد ان يُفسر كل هذا الصمت (اقرأ التواطؤ) الغربي وخصوصاً العربي، إزاء ما يجري في الجماهيرية.. «السابقة»؟

*كاتب صحفي/ “الرأي” الأردنية