الرئيسية / وجهات نظر / بوتفليقة وتعديل حكومي آخر: النكسة الصغرى
Tewfik-Rebbahi

بوتفليقة وتعديل حكومي آخر: النكسة الصغرى

أقدم الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة على تعديل وزاري آخر هو الرابع منذ تولي عبد المالك سلال رئاسة الحكومة قبل أقل من ثلاث سنوات.
أربعة تعديلات حكومية لا أحد منها يبدو مؤسَّساً أو مبرراً، ويصعب وضع أيٍّ منها في منطق أو سياق غير سياق تفرد الرئيس بوتفليقة بالحكم وتعبيره عن ذلك بإبعاد وزراء وتعيين آخرين.
التعديل الجديد أشبه بلعبة الدومينو، تضمن رحيل عشرة وزراء ودخول ثمانية جدد إلى الطاقم الحكومي مع تغيير حقائب بعض الوزراء أفقيا. أبرز ما شد انتباه المتابعين ذهاب وزراء يسود اعتقاد بأنهم نزهاء وأكفاء وبقاء آخرين متهمين بالفساد والإضرار بالمال العام.
في قائمة ما يسمى الحقائب السيادية لم يشمل التعديل سوى الداخلية برحيل الطيب بلعيز الى منصب مستشار لدى الرئيس وحلول وزير التكوين المهني نور الدين بدوي محله، ورحيل وزير الطاقة يوسف يوسفي.
تعيين بدوي في الداخلية لافت لسببين، الأول كونه ليس من الحلقة الأمنية بمفهومها الواسع كون وزارة الداخلية ظلت في الغالب بين أيدي شخصيات أمنية أو مقرّبة من اصحاب القرار، والثاني كون بدوي ليس من «حلقة» الرئيس بوتفليقة، فهو ليس من قريته أو منطقته الجغرافية (الجهوية شرط ضروري في كثير من قرارات بوتفليقة). كما لم يُشع عنه انه محسوب على زمرة الرئيس.
بعض التكهنات ذهبت في اتجاه القول إن تعيين بدوي، وهو نتاج الجهاز البيروقراطي الجزائري، محاولة لترضية سكان منطقة الجنوب، التي ينحدر منها، بعد سنوات من الشعور بالظلم والاجحاف والاحتجاج بأكثر من طريقة.
لكن بعيداً عن التفاصيل، هل الجزائر فعلا بحاجة إلى تعديل حكومي؟ وهل التعديل سينقذها من حالة الشلل التي يجسدها الرئيس بوتفليقة حقيقة ومجازاً؟ الجواب تضمنته ردود أفعال السياسيين والقادة الحزبيين وحتى الشارع عندما تراوحت بين عدم المبالاة والسخرية.
الذين يمسكون بزمام البلاد في قصر الرئاسة أدركوا ان البلاد بحاجة إلى تغيير، أو أي شيء جديد يحرك العقم السياسي الذي وصلت إليه، فكان لا بد من التضحية بوزراء في حركة سميت تعديلا وزارياً.
هذا يكفي لإلهاء الساسة والمجتمع أسابيع أخرى في انتظار شهر رمضان الكريم ثم موسم عطلة الصيف وما تعنيه من خمول يحيل بدوره إلى انتظار موسم الخريف.
فعلا لم يكن هناك داعٍ لهذا التغيير غير إعطاء الانطباع بأن الرئيس في كامل وعيه وإدراكه وممسك بزمام المبادرة. وهذه الرسالة موجهة إلى الداخل والخارج لدرء شكوك وأسئلة عن صحة الرئيس ومستقبله وحال البلد، لا ردود عليها إلا بقرارات كهذه.
الذين قرروا التعديل الأخير ونفذوه يدركون بأن الوزراء المبعَدين ليسوا أسوأ من غيرهم، وأن المعيَّنين الجدد ليسوا أفضل من الذين أُقيلوا. مرت سنوات طويلة منذ نسيت الجزائر مصطلحات الكفاءة والنزاهة ونظافة الكف ضمن قائمة شروط التعيين في الوظائف العليا بالدولة. والدليل أن وزيراً تلاحقه اتهامات وشبهات بالسرقة والفساد يتجول من وزارة إلى أخرى كأن بوتفليقة يكافئه بينما المنطق السليم يفرض أن تلك الشبهات تكفي لابتعاده عن العمل العام حتى لو كان بريئا.
أغلب وزراء الدولة الجزائرية، منذ وصول بوتفليقة إلى الرئاسة في 1999 أصبحوا مجرد موظفين طيّعين ينفذون تعليمات الرئيس وشقيقه ومحيطهما، وأحيانا يزايدون عليها.
هناك وظائف ومناصب فقدت وقارها وهيبتها مع بوتفليقة، ومن بينها وظيفة وزير. يمكن الاستدلال على هذا الكلام بأن عدداً من الوزراء عُينوا وعملوا وأُقيلوا ولم يتح لهم «شرف» مقابلة الرئيس ومصافحته في ظروفه الصحية المتدهورة. وآخرون تولوا المسؤولية الوزارية وأُبعدوا منها دون أن يتمكنوا من مخاطبة الرئيس في وجهه أو يخاطبهم بالإسم.
عشرات، وربما مئات، الوزراء تداولوا على المناصب وغادروها دون أن يحاسَب المقصر أو يكافَأ المحسن. يكلَّفون بالمسؤولية ثم يُعفون منها ولا أحد يعرف لماذا كُلفوا ولماذا أُبعدوا.
القضية إذاً لم تعد كفاءة هذا الوزير أو ذاك من عدمها، بل أصبحت تتعلق أكثر بضياع قيمة المنصب ومكانته المعنوية والسياسية. في ظروفها الحالية بقيادة بوتفليقة وفريقه الرئاسي، لن ينفع الجزائر أكثر أبنائها كفاءة وأشطر وزراء العالم، ويستطيع بوتفليقة أن يجري ألف تعديل وزاري في السنة ولن يفيده أو يُفد الجزائر ذلك في شيء.
رئيس الحكومة السابق، المرشح الرئاسي والمعارض حاليا، علي بن فليس كان أحد من وفّقوا في وصف التعديل الوزاري الأخير بقوله إن «التغييرات الحكومية التي يقوم بها النظام بلغت درجة من التفاهة تجعلها تستعصي على أي قراءة سياسية منطقية كانت».
وتابع بن فليس في بيان أن «التغييرات الحكومية تتعاقب وتتشابه دون معنى لها، ويصعب إعطاء أي تفسير سياسي لها».
الفشل الحكومي في الجزائر هو احد أوجه الشلل العام الذي تعانيه البلد، وليس سببه. نكبة الحكومة هي جزء من نكسة أكبر تعانيها الجزائر بنظامها السياسي الذي وصل إلى طريق مسدود ويرفض الإقرار بذلك.
بداية الغيث تكمن ربما في ثورة في المفاهيم والقناعات تكون من ثمارها أن يقتنع الوزراء بأنهم يدينون بالحساب للشعب ومصلحة البلد وليس للفريق الرئاسي الذي اختارهم أو بوتفليقة الذي يضع توقيعه في أسفل قرارات تكليفهم.
هذا الحائط الذي وصلت إليه البلاد يتحمل جزءاً كبيرا من مسؤوليته الرئيس بوتفليقة والمحيطون به.

٭ كاتب صحافي جزائري/”القدس العربي”