الرئيسية / وجهات نظر / من الذي كتب “الكتاب الأخضر” والرواية للعقيد القذافي؟
AZRAJE OMAR

من الذي كتب “الكتاب الأخضر” والرواية للعقيد القذافي؟

قبل أن يستقر العقيد الڤذافي على الكرسي المنصوب وسط الخيمة، دوّت زغاريد الصحفيات وزوجات بعض الكتاب الذين شاركوا في ندوة “سرت” حول كتاب “القرية، القرية، الأرض، الأرض ورجل الفضاء وقصص أخرى”، ثمَ رأيناه يشير إلى أحد حراسه أن يقرّب قطيع الجمال التي ساقها بنفسه وهو يجوب بها الجزء الصحراوي من منطقة “سرت”، وأوحى له أن يُدخِل بعضها إليها.
لقد فهمنا أنه أراد بذلك التكتيك، أن يموّه أنه مجرد راع من رعاة الإبل، خوفا من تعرّف الأقمار الصناعية الأمريكية عليه، ومن احتمال توجيه ضربة صاروخية له قصد اغتياله كما حصل له من قبل ونجا بأعجوبة من الغارة التي حاولت اصطياده، وأسفرت عن مقتل بعض أفراد عائلته.
وهكذا، وجدنا أنفسنا نتقاسم أوكسجين فضاء تلك الخيمة مع قطيع جمال العقيد الڤذافي، واختلط فيها رغاؤها بأصواتنا البشرية. قبل أن يشرع الڤذافي في الكلام رأينا سيارة رباعية الدفع مقبلة تجاهنا، ونزل منها رجل مفتول العضلات وأخرج منها “قصعة” كبيرة كانت معبّأة بالكسكس ودعانا بنفسه إلى أن نأكل جماعيا باستعمال أيدينا بدلا من الملاعق التي لم نر لها أثرا.
تحلّق الكتاب والإعلاميون الضيوف والأدباء الليبيون حول القصعة ومسحوها مسحا في لحظات قليلة، وكان الڤذافي يكتفي بملامسة أحد جماله، وبالتحديق في الوجوه مرّة وفي السماء مرات كثيرة. في تلك اللحظات لاحظنا موجات من التوتر والقلق تغزو ملامح وجهه وكانت حركات يديه ترسم غضبه بوضوح.

من الأمور التي اكتشفتها في تلك الخيمة هي تباين صورة الڤذافي التي كنا نراها على شاشات الفضائيات التلفزيونية وصورته الواقعية وهو أمامنا، فهو في الواقع رجل نحيف البنية وأنه بمجرد الجلوس معه تسقط الهالة الكاريزمية التي بناها الإعلام له وكلفت الخزينة الليبية مئات من ملايين الدولارات.
لما فرغ الجميع من الأكل، انطلق العقيد في الكلام بتوجيه سيل من النقد الساخر والقاسي إلى الجامعة العربية التي وصفها بـ”الناطور”، وإلى الأنظمة العربية التي اتهمها بالتواطؤ مع الغرب، والمشاركة في ضرب الحصار على الشعب الليبي. في تلك الجلسة سمعت الڤذافي يصرح لنا مرارا وتكرارا بأنه إفريقي، وأن استراتيجيته المستقبلية سوف تركز على بناء الوحدة الإفريقية، وكثيرا ما ردّد على مسامعنا بأنه قد مسح يديه من الأنظمة العربية نهائياً.
أما حديثه عن الأدب، فقد دار حول العموميات، حيث لم يكشف لنا عن أي عمق نظري أو تقني في هذا المجال، وأكثر من ذلك، فهو لم يذكر أي عمل قصصي أو روائي قرأه، أو تأثر بمضمونه أو بأسلوبه، كما أنه لم يشر من قريب أو من بعيد إلى أي كاتب روائي أجنبي أو عربي أو ليبي. لقد اكتفى بالإسهاب في الكلام وبشكل غير منهجي حول دور الأديب الملتزم في بث الوعي بمخاطر الاستعمار الغربي، ودعا إلى محاربة الامبريالية وفي المقدمة الطغيان الأمريكي. كنا ننتظر منه أن يسرد علينا تفاصيل التقنيات المستخدمة في كتاب “القرية، القرية، الأرض، الأرض ورجل الفضاء وقصص أخرى”، ولكنه لم يفعل، كما أنه لم يقل شيئا جديدا عن “الكتاب الأخضر” الذي دوّخ به العالم لوقت طويل وصرف على الندوات التي كرسها للتعريف به والترويج له في كل مكان مئات الملايين من الدولارات. وبخصوص هذا “الكتاب الأخضر”، أذكر أن اتحاد الكتّاب الليبيين قد دعا في الماضي اتحاد الكتّاب الجزائريين، الذي كنت في ذلك الوقت عضوا في أمانته التنفيذية الوطنية، إلى المشاركة في ندوة حوله بكاراكاس عاصمة فنزويلا، وعدلنا عنها، وحينما أخبرت الأخ عبد الحميد مهري بالأمر في مكتبه، يوم كان عضوا في الأمانة الدائمة للجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني ومسؤولا عن لجنة الثقافة والإعلام والتربية فيها، قال لي بالحرف الواحد: “نحن في الجزائر لا نشجع الخزعبلات”.
وفي الحقيقة، فإن الغموض ما يزال يكتنف وقائع تأليف هذا الكتاب الذي قيل في الكواليس السرية بأن المفكر الليبي المعروف الصادق النهيوم هو الذي صمم هيكله، وبلور بنيته، ومجمل الأطروحات الفكرية الطوباوية التي تضمنها، وكتب فصوله بعد أن اقترح عليه العقيد الڤذافي فكرته العامة، علما أن المقارنات لم تجر إلى يومنا بين الطريقة التي كتب بها الكتاب الأخضر والطريقة التي كتب بها النهيوم كتبه الكثيرة منها “الرمز في القرآن”، و”الإسلام ضد الإسلام”، و”الإسلام في الأسر” و”محنة ثقافة مزوّرة” الصادرة عن “دار الريس” بلندن وبيروت.
ونحن نصغي إلى العقيد الڤذافي، الذي تحدث أكثر من ساعتين، لم نلاحظ وجود معالم ثقافة روائية وقصصية بارزة لديه، فمن كتب له كتابه “القرية، القرية، الأرض، الأرض، ورجل الفضاء، وقصص أخرى” إذن؟ بطبيعة الحال فإنه لا أحد من الكتاب والنقاد الذين شاركوا في ندوة سرت حول هذا الكتاب أثار أي قضية تتعلق بأصالة أو زيف هذا العمل السردي ولو بطريقة غير مباشرة.
إن كل الذي أذكره الآن بهذا الخصوص هو أن الروائي الليبي المعروف الدكتور ابراهيم الفقيه، قد قال لي على انفراد وبتلقائية بأن أهمية كتاب “القرية، القرية، والأرض، الأرض… ” تنبع أساسا من كونه يحمل اسم الزعيم الليبي.
أما أثناء جلسة الخيمة، فقد اكتفى الجميع بالاستماع فقط إلى كلام العقيد الڤذافي، وبطرح الأسئلة الجانبية هي كلها تمحورت حول مأساة الحصار وحول ما ينبغي عمله لمقاومته، فالناقد السوري الدكتور محي الدين صبحي، العارف ربما بتقاليد السرد الروائي العربي أكثر من غيره من الكتاب والنقاد المشاركين في الندوة، قد بقي صامتا طوال الجلسة، وفعل الشيء نفسه معظم الكتاب الليبيين الحاضرين.
إن ملف كتاب “القرية، القرية، الأرض، الأرض ورجل الفضاء وقصص أخرى” ما يزال إلى يومنا هذا مغلقا علما أن الاشاعات قد انتشرت في بعض الأوساط وتروّج أن الڤذافي قد كتب مسودة هذا الكتاب فعلا، ولكن الأديب الذي صاغه صياغة فنية هو روائي ليبي بارز صديق لي سأذكر اسمه يوما.
بعد أن طالت الجلسة، أحسست بالتعب وبخدر يسري في مفاصلي من كثرة الجلوس القرفصاء على الرمل الساخن فاستأذنت أن أستلقي على ظهري وسمعت العقيد الڤذافي يعلّق على طلبي قائلا: “يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره” ثم تابع حديثه. فجأة ترك الكرسي بسرعة واتجه إلى خارج الخيمة، ودفع بجماله أمامه بعد أن فتح مظلته وغطى بها رأسه ثم رأيناه يخطو ببطء بعيدا، بعيدا يجرّ معه ظله، وظلال قطيع الجمال حتى اختفى نهائيا.
في تلك اللحظات، تقدمت إليّ زوجة صديق لي، وهو شاعرٌ وأديب تونسي كبير، وخاطبتني بصوت خافت حتى لا يسمعها أحدٌ من الحاضرين: “بعد كل التقريظ لكتابه، لم يعط لنا فلسا واحدا.. فلعنة الله على الأدب والأدباء”.

*كاتب جزائري/”الشروق”