الرئيسية / وجهات نظر / سباق الموت والحياة
48f1223c0c593435a8be6775da738e1b

سباق الموت والحياة

رقم مخيف قدمته تقارير إسبانية وأوروبية، يفيد بأن حوالى ثمانين ألف مهاجر يتحدرون من أصول أفريقية، يتطلعون إلى العبور في اتجاه مدينتي سبتة ومليلية اللتين تحتلهما إسبانيا شمال المغرب. ولا تشكل محاولات اختراق الجدار الأمني المتكررة بين فينة وأخرى أكثر من مغامرات يائسة ينجم عنه سقوط ضحايا عند محاولاتهم التسلل وتحطيم الأسلاك الشائكة أو القفز فوقها.
بعد كل حادث يحتدم الجدال حول المسؤوليات الأمنية والسياسية والإنسانية التي فاقمت المأساة الاجتماعية، لكن من دون إيجاد حلول ناجعة لأوضاع المهاجرين الذين استبدل بعضهم ركوب قوارب الموت التي أحالت صفاء البحر المتوسط إلى مقابر جماعية، بمقارعة الأسلاك الشائكة بالأجساد والدم، ما يعني سقوط فرضية حماية المعابر بتطويقها أو زرع أجهزة الإنذار المبكر في فقرات السياج الأمني الذي لا يليق بحضارة الإنسان.
وبالقدر الذي أقرت الرباط مقاربة جديدة لاحتواء ظاهرة الهجرة غير الشرعية، من خلال منح المتورطين فيها شروط الإقامة وأوراق ثبوت الإقامة وحق اللجوء، بالقدر الذي لم تضعف وتيرة اقتحام الأسلاك الشائكة التي استحالت إلى ما يشبه سباق الموت والحياة. لكن إسبانيا وبلدان الاتحاد الأوروبي التي رأت في قرار السلطات المغربية مبادرة إنسانية واجتماعية لتحقيق دمج المهاجرين الذين ارتضوا الاستقرار عند آخر نقطة بين أفريقيا وأوروبا، لم يقدموا ما يكفي من الدعم لهذه الخطة التي تخفف عنهم بعض الأعباء وتثقل كاهل المغرب بمتطلبات أكبر من إمكاناته الذاتية.
بسبب الحرج الذي يواجه المغرب في التصدي للهجرة غير الشرعية، إذ تنقل مداها من حدوده المعترف بها إلى مشارف المدينتين المحتلتين. أقله عدم اعتبار الأسلاك الشائكة والمعابر حدوداً تفصل سبتة ومليلية عن الأراضي المغربية. يصعب الانخراط كلياً في رهان الأمر الواقع. يُضاف إلى ذلك أن السواحل المتوسطية الشاسعة باتت تغري المهاجرين الأفارقة والمغاربيين على حد سواء للانطلاق منها، بخاصة في ضوء تنامي شبكات تشجيع الهجرة غير الشرعية التي تتاجر بالبشر والبضائع والسجائر وغيرها.
ضغوط الخرائط لا حدود لها. ومن الجانب الشرقي للشريط الحدودي تتدفق أفواج أكبر من المهاجرين القادمين من منطقة الساحل، فيما يتطلع آخرون في شمال موريتانيا وقبالة جزر لاس بالماس إلى لحظة غفوة حراس السواحل للإبحار نحو الضفة الأخرى.
وأصابت عدوى الهجرة الهاربين من جحيم الاقتتال والكوارث الطبيعية، ما يفرض معاودة النظر في أكثر المقاربات تفاؤلاً إزاء احتواء الظاهرة التي تشابه النزوح الجماعي وفرار اللاجئين.
يدرك الأوروبيون أكثر من غيرهم أن فضاءهم أصبح مستباحاً. فقد أخذوا ما يكفي من جرعات الهجرة، يوم كانت اقتصاداتهم بحاجة إلى السواعد والعقول التي أسهمت في البناء. لكنهم اليوم يعانون من ضائقة اقتصادية ومالية، كان من نتائجها القريبة استشراء ظواهر عنصرية وصلت إلى حد أن أصبحت برامج لأحزاب سياسية غير متسامحة وعدائية. وبينما اهتدت بلدان أوروبية إلى دمج المهاجرين المقيمين بطرق شرعية في دواليب الحياة السياسية، عندما فتحت أمامهم حقوق الترشح في البلديات والاشتراعيات، لازالت المقاربة الأمنية تطغى على غيرها من المبادرات الكفيلة باحتواء الظاهرة.
تلح إسبانيا على أن محاولات اقتحام أسوار سبتة ومليلية لا تختلف عن تعريض الأمن الأوروبي لمخاطر. لكنها تتجاهل أن المدينتين لا تزالان موضع نزاع على السيادة. وأن فرض اتفاق شنغن على المدينتين لا يبيح لها التصرف، خارج نطاق الحوار مع أصحاب الأرض الشرعيين. ولو أنها التفتت قليلاً إلى الواقع التاريخي والقانوني، لأمكنها استخلاص موقف داعم لحربها على الهجرة غير الشرعية. أقله أن دخولها في حوار مع المغرب، وفق المنظور الذي يقول باستعادة سيادة الرباط وضمان المصالح الاقتصادية والتجارية لمدريد، سيجنبها خوض هذه الحرب من دون خلفية داعمة.
مع مرور الزمن لن يكون في وسع إسبانيا أن تحتفظ لنفسها برقابة دائمة على الضفتين الشمالية والجنوبية للبحر المتوسط. ففي وقائع تاريخية أن الفتح الإسلامي للأندلس انطلق من الثغور الشمالية، وطالما أن نكبة المسلمين بعد انهيار ملوك الطوائف أدت إلى ترحيلهم إلى تلك الثغور، فلا أقل من الاستئناس بتاريخ ما بعد الصدام. أي تحويل ضفتي البحر المتوسط إلى بحيرة أمن وسلام.
تداعيات الهجرة غير الشرعية ليست أكثر من جبل الثلج الظاهر. فثمة تحديات أكبر في إطار التعايش وحسن الجوار باتت تحتم الخلاص من النظرة الاستعمارية. وفي حال تركت إسبانيا للمغرب أن يدبر ملف الهجرة في ضوء استعادة السيادة على مدينتي سبتة ومليلية فإن ذلك سيكون أقل مدعاة للقلق. واستنفذت الحرب على الهجرة غير الشرعية آخر طلقاتها الأمنية وصار لزاماً البحث في مقاربة جديدة. تجعل من الجارين الإسباني والمغربي يتحملان مسؤولياتهما كاملة.
“الحياة” اللندنية