الرئيسية / وجهات نظر / حرب تونس على الإرهاب جولة بجولة
مصطفى القلعي

حرب تونس على الإرهاب جولة بجولة

الحرب على الإرهاب في تونس تسير بنسق سريع. جولات من هذه الحرب دارت خلال 11 يوما من 18 إلى 29 مارس 2015، عرفت تونس أثناءها أحداثا كثيرة على صلة بالإرهاب وبالحرب عليه. تواتر هذه الأحداث نقل انفعال التونسيّين بين حالة الخوف والشك، وبين حالة الهدوء والترقب، وبين حالة الارتياب والالتباس. سنحصي هذه الأحداث ثمّ سنتولّى تحليلها وتفكيك ما بينها من روابط وتأويلها.
بدأت الأحداث يوم 18 مارس بتعرض متحف باردو الأثري، المحاذي لمجلس نواب الشعب، إلى اعتداء إرهابي خلف سقوط 24 ضحيّة من 11 جنسية. وفي اليوم الموالي 19 مارس رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي يشرف على اجتماع المجلس الأعلى للجيوش الثلاثة والمجلس الأعلى للأمن وذلك للمرة الأولى في تاريخ تونس. ويوم 20 مارس، إثر كشف هوية الإرهابيين الاثنين الرئيسيين اللذين نفذا الاعتداء، يتفاجأ الرأي العام التونسي ويرتبك، إذ الأوّل ليس إلا تلميذا له من العمر 19 سنة فقط لم يبلغ الثانوية العامة ولم يغادر مقاعد الدراسة وما زال يتلقى العلم، والثاني موظف بوكالة أسفار مرتبط عمله بالسياح ويفترض أن يكون ذا عقل متسامح وسلوك منفتح. وعلى امتداد الفترة المتراوحة من 21 إلى 28 مارس تغرق وسائل الإعلام التونسية في هوامش اعتداء باردو بشكل غلبت عليه السطحية والارتجال والصبغة التجارية والتعاطي الأجوف الخالي من الحرفية ومن الفائدة.
أما يوم 29 مارس فقد شهد حدثين كبيرين: الأول تنظيم مسيرة دولية ضد الإرهاب تحت شعار “العالم باردو” بمشاركة بعض قادة العالم مثل الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند ورئيسة البرلمان الإيطالي لاورا بولدريني ورئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي والرئيس الفلسطيني أبي مازن ورئيس بولونيا برونيسلاو كوموروفسكي ورئيس الغابون علي بونغو ورئيس الحكومة الجزائرية ووفود من دول كثيرة من بينها وفد عن الكونغرس الأميركي، والثاني نجاح القوات الخاصة للحرس الوطني في توجيه ضربة أمنية كبيرة للإرهاب. وقد وقعت العملية في جهة قفصة جنوب غرب تونس، حيث تم القضاء فيها على 9 إرهابيين من كتيبة عقبة بن نافع الإرهابية، على رأسهم قائدها الجزائري لقمان أبو صخر وأسر أحد عناصرها.
خلال إشرافه على اجتماع المجلس الأعلى للجيوش الثلاثة والمجلس الأعلى للأمن، أعلن الرئيس السبسي الحرب على الإرهاب. وأقرّ الاجتماع ضرورة إشراك قوات الجيش في حماية المدن الكبرى. هذا القرار يؤكد أن المسؤولين التونسيين يراهنون على عاملين رئيسيين: الأول هو العامل النفسي بمعنى أن وجود قوات الجيش في مداخل المدن سيطمئن المواطنين والأجانب المتدفقين على تونس على غرار الأيام الأولى للثورة التونسية، والثاني هو العامل الدفاعي إذ أن وجود الجيش مع الأمن في المدن من شأنه أن يدفع الإرهابيين إلى التخفي وإلى إلغاء مخططاتهم الإرهابية.
ولكن الغريب ألا أحد تحدث عن حالة الطوارئ في تونس. فإعلان الحرب يعني إعلان حالة الطوارئ آليا. ولكن الرئيس السبسي لم يشر إلى ذلك ولم يفعل رئيس الحكومة أيضا. لماذا؟ هل هو سهو أم عطل في القيادة أم إكراهات أخرى اقتصادية وسياحية وتربوية؟ حالة الطوارئ لم ترفع منذ أحداث الثورة التونسية مطلع 2011. وكانت تمدد من فترة إلى أخرى إلى عهد الرئيس المؤقت منصف المرزوقي زمن الترويكا.
ماذا سيغير إعلان حالة الطوارئ في الحرب على الإرهاب؟ التذكير بحالة الطوارئ ينسجم مع إعلان الحرب. وهو يعطي لأجهزة الأمن والجيش صلاحية أكبر في استعمال الذخيرة الحية وفي الإيقاف والتفتيش والتدخل الناجع. ولكن من جهة أخرى، حالة الطوارئ تفترض ضوابط في حركة المواطنين والعربات والتنقل عموما.
وهو ما سيؤثر سلبا على نشاط السياحة والمنشآت الحيوية مثل المطارات والموانئ البحرية. وسيعطل أنظمة الدراسة في مختلف المراحل. وعلى كلّ حال لا بد من التساؤل هل هي حرب عادية حتى لا تكون بلا طوارئ؟ وهل توجد حرب عادية أصلا؟ وهل يمكن أن تعلن الحرب بلا طوارئ؟ وهل ستكون لها جدوى؟
نتجاوز غثاثة التناول الإعلامي التونسي لاعتداء متحف باردو طيلة أكثر من أسبوع، ونأتي إلى الحدثين اللذين شهدهما يوم 29 مارس وهما مسيرة العالم باردو والعملية الأمنية في قفصة ضد كتيبة عقبة بن نافع الإرهابية. لا بد من الإشارة إلى أن مسيرة باردو هي مسيرة تضامنية تؤكد أننا “لسنا وحدنا في هذه الحرب”، كما جاء على لسان الرئيس التونسي. والمساندة الأكثر رمزية كانت من قبل الدول التي سقط لها رعايا في الاعتداء الإرهابي مثل فرنسا وإيطاليا وبولونيا.
وزيارة رؤساء هذه الدول ومشاركتهم في مسيرة باردو تعني، في ما تعنيه، التضامن مع تونس وتشير إلى نوع من الإقرار الضمني بحدود الإمكانيات التونسية في حربها على الإرهاب. ولكن بالتزامن مع المسيرة يأتي خبر نجاح باهر للأجهزة التونسية يصيب الكتيبة المسؤولة عن اعتداء باردو في الصميم ويقضي على قائدها والعقل المدبر لعملية باردو الإرهابية لقمان أبو صخر المطلوب دوليا للأجهزة التونسية والجزائرية والليبية. عملية قفصة الأمنية رفعت من نخوة الرئيس التونسي ومسؤولي الحكومة التونسية أمام ضيوفهم. وجاءت بمثابة ثأر لضحايا العدوان وهدية تقدم لرؤساء بلدانهم الذين شاركوا في المسيرة.
عملية قفصة الموفقة لأجهزة الأمن التونسية كانت جولة رابحة ردّا على جولة باردو الإرهابية يوم 18 مارس التي تأذت منها تونس. لاشك أن أجهزة الأمن التونسية استفادت مخابراتيا واستعلاماتيا من سلسلة الإيقافات التي نفذتها في صفوف الخلية التي شاركت في الإعداد لعملية متحف باردو.
وقد سبق للسلطات التونسية أن أعلنت أن كتيبة عقبة بن نافع هي المسؤولة عن العملية، والأكيد أن الموقوفين هم من كشفوا عن ذلك. ويبقى أن على الأجهزة التونسية أن تستعين بالباحثين والخبراء والمحللين النفسيين والاستراتيجيين في التعامل مع الموقوفين لجمع أكثر ما يمكن من المعلومات وتحليلها، حول طرق الدمغجة والتجنيد واختيار منفذي العمليات من بين جملة أعضاء الخلية، لا سيما أن أحد منفذي العملية تلميذ ثانوي عمره 19 سنة والثاني موظف كما أشرنا أعلاه.
آخر الملاحظات على مسيرة العالم باردو متصلة بحركة النهضة المشاركة فيها. فالحركة كانت قبل الترويكا وأثناءها وبعدها قريبة من المتشددين تتبناهم وتدافع عنهم وتبرر أفعالهم. وراشد الغنوشي دعاهم إلى الاستيلاء على المساجد وإنشاء الجمعيات الخيرية وإقامة الخيمات الدعوية، وشكك في ولاء أجهزة الأمن والجيش بما يحرض عليهم. وعبدالفتاح مورو قال لوجدي غنيم إن غايتهم أبناء التوانسة وبناتهم. ونورالدين الخادمي وزير الشؤون الدينية النهضوي في حكومتي الترويكا كان يؤم الناس بنفسه ويلقي الخطب الحماسية العصماء في جامع الفتح معقل التشدد والأصولية والتجنيد في العاصمة تونس، الجامع الذي ألقى فيه أبوعياض زعيم أنصار الشريعة آخر خطبه، وسمح له علي لعريض وزير الداخلية النهضوي بالهروب. كما دأبت النهضة على استقدام دعاة الفتنة والتكفير والتجنيد من مختلف الأصقاع وفتحوا لهم منابر المساجد والساحات العامة، وهو ما أنتج سيلا رهيبا من الأصوليين والتكفيريين فاض عن تونس ليطال أكثر من أرض عربية.
وقبل أشهر قليلة من مسيرة 29 مارس التي جمعت الندائيين بالنهضويين جنبا إلى جنب ضد الإرهاب، كان المنتسبون إلى نداء تونس يسيرون في نفس شارع باب سعدون في نفس الوجهة نحو باردو، حيث كان يقام وقتها اعتصام الرحيل ضد استبداد الترويكا بقيادة حركة النهضة. وكانوا يرددون شعارات تدين حركة النهضة بالإرهاب. فما الذي تغيّر لدى الندائيين، لا عدالة انتقالية ولا محاسبة ولا مكاشفة ولا مصارحة؟ فهل يكفي كرسي الحكم سببا؟ أمام هذا الالتباس المتعمد تتضاعف هواجس التونسيين وتزداد مخاوفهم من ضربات ارتدادية انتقاما لكتيبة عقبة بن نافع وقائدها.

* كاتب وباحث سياسي من تونس/”العرب”