الرئيسية / وجهات نظر / مُعارضة ماذا؟
خالد الحدّاد

مُعارضة ماذا؟

في وقت تغرقُ فيه جهات في المياه وتتهدّدُها الفيضانات وفي زمن مخاطر ارهابيّة حقيقيّة، محليّة واقليميّة، وتكاثر لمظاهر اجتماعية على غاية من الخطورة ، منها القتل والانتحار والمخدرات والجريمة المنظّمة ، وتواصل غلاء الأسعار وتدهور المقدرة الشرائيّة للمواطنين، في مثل هذه الأوضاع والظروف الصعبة لم يجد نوّاب الشعب من مشغل غير السجال حول مفهوم المعارضة والجهة التي ستتولّى رئاسة لجنة المالية.
مرّة أخرى تُثبتُ نخبتنا السياسيّة أنّها خارج اهتمامات الشارع واستحقاقات المرحلة وخاصة الضغوطات الاقتصادية وتطلعات الناس في تحسين الأوضاع وتوفير مواطن الشغل وظروف الحياة الآمنة والكريمة، عادت محاولات تطويع القانون لتصفية حسابات سياسيّة وظهرت سيناريوهات الاستبعاد والاقصاء والمُحاصرة للخصوم عبر محاولة خلع جُبّة المعارضة عن الجبهة الشعبية وقطع الطريق أمام تواجدها المؤسّساتي بعد ان اختارت طوعا البقاء خارج السلطة التنفيذيّة.
حسابات فيها الكثير من خفّة العقل وضُعف الاحساس بالمسؤوليّة وتهافُت الممارسة السياسيّة ، فالجبهة الشعبية هي القوّة الانتخابيّة الخامسة وبعد انضمام نداء تونس والنهضة والوطني الحر وآفاق تونس إلى حكومة الحبيب الصيد تُصبح الجبهة منطقيّا وحسابيّا هي الطرف المؤهَّل للتموقع في الضفّة المعارضة ومن ثمّ رئاسة لجنة المالية ، والواضح أنّ ما تمّ حبكهُ لتصعيد معارضة اخرى لا ينطوي على دفاع عن تأويلات لفصول قانونيّة بل هو نتاج لنظرة حزبيّة وسياسيّة ضيّقة.
وكأنّ نخبتنا السياسيّة جُبلت على التجاذب والبحث عن الاستقطابات وتغذية الخلافات وشحن الانفس والسقوط دوما في نوازع الفتنة والفوضى والضبابيّة والدفع الى احتقان الأوضاع في البلاد.
إنّ تشكيل لجان وهيئات مجلس النواب قد طال قد اكثر من اللزوم والبلاد تحت اكثر من نار وشعبها ودولتها يُلاحقان أكثر من استحقاق ومطلب وحاجة ويتعرضان للمزيد من الضغوطات والاكراهات ، وفي الحقيقة فإنّ الاختلاف حول تركيبة لجان مجلس النواب والجدل حول توصيف المعارضة وتحديد طبيعتها ومكوناتها الرئيسية والفرعيّة ليس له أي معنى، اذ ماذا سيُعارض هؤلاء المتصارعون على ارتداء «جُبّة المعارضة» والسفينة تكاد تغرق اقتصاديا واجتماعيا؟. لقد دخلت بلادنا منذ فترة ممارسة سياسيّة فيها الكثير من الحكمة والتعقّل وتغليب المصلحة العليا للوطن على المصالح الحزبيّة والشخصية والفئويّة وانطلقت في تجسيد تجربة رائدة ونموذجيّة في استكمال المسار السياسي للثورة وانجاح الانتقال الديمقراطي عبر رؤية توافقيّة وتجميعيّة ترفُض الاستثناء والهيمنة واحتكار السلطة وتضع المسؤوليّة على كاهل كل القوى الوطنية دون اقصاء لأحد وبالتعويل على كفاءات الدولة واطاراتها العليا.
وقد تحقّق بفضل تلك الروح قدر من الارتياح والتفاؤل وعلى الجميع اليوم مواصلة نفس الخيار لإنقاذ البلاد ، وحتى المعارضة ، سواء اكانت الجبهة الشعبية أو غيرها من الاحزاب أو الكتل او الجبهات ، مُلزمة اليوم بالتحلّي بالكثير من العقلانية لحماية التجربة الديمقراطية الناشئة وفهما لطبيعة المرحلة ومتطلبات الواقع الصعب الذي تمرّ به البلاد وعليها أن تُعاضد وُجوبا الجهد الحكومي وأن تخدم هي ايضا بغاية تقديم المقترحات الجادّة والإضافات لا بغاية قطع الطرق وتعطيل آلة الانتاج او تخريب البرامج الحكومية او مزيد إرهاق الموازنات المالية للدولة ومقدراتها او اعادة اسطوانة تأجيج الشارع والنفخ في نيران الاحتجاجات الفوضويّة التخريبيّة او الاضرابات العشوائيّة.
والمؤكّد أنّه اذا لم تتوافق مكونات المعارضة حول رئاسة لجنة المالية ولم تكن على قدر المسؤوليّة فستجدُ نفسها بعد حين منقسمة ويُعارض بعضها بعضا حتى تتفتّت قوّتها وتذهب ريحها.

*كاتب صحفي/”الشروق” التونسية