الرئيسية / وجهات نظر / كبح جماح الإرهاب في ليبيا ضرورة دولية
إبراهيم الفقيه

كبح جماح الإرهاب في ليبيا ضرورة دولية

لن تكون الإنسانية جديرة باسمها، ولا يكون العصر الحديث جديرا بما ينسب إليه من أنه عصر المكتبسات العلمية والحقوقية، والإنجازات التي تتصل بنشر العدالة والحفاظ على كرامة البشر، إذا لم يستنفر هذا العالم قواه، ويعلن التعبئة في صفوفه، ويوحد جهوده العسكرية والسياسية، المادية والمعنوية، في ضربة قوية جامعة تقضي على هذا التنظيم المتوحش الذي لم يترك جريمة من جرائم عصور الظلام والبدائية إلا واستحضرها، معيدا البشرية إلى ما قبل الحضارة وما قبل التقدم الإنساني في مدارج النهضة، راجعا بها إلى عصر إنسان الكهف وما قبل بزوغ الحضارة والمدنية.
رأينا حركة بوكو حرام وما تفعله بأطفال وصبايا وحرق لمدارس وقرى، ورأينا ما يفعله تنظيم داعش الشام والعراق من فتح أسواق لبيع البشر والعودة إلى عصور الرقيق، ورأينا الجرائم الأخيرة التي بلغت أوج توحشها وقبحها وبشاعتها وهو يحرق ضحيته، الطيار الأردني الكساسبة ثم خمسين أسيرا من الأكراد، قبل أن يأتي الدور على ليبيا فيقوم فرعها الذي احتل مدينة سرت، بخطف واحد وعشرين عاملا مصريا بريئا، غادروا وطنهم، يبحثون عن لقمة عيشهم، ودون ذنب ولا إثم إلا لأنهم يخالفون أهل داعش في الهوية الدينية، فيقوم التنظيم الإجرامي وفي عملية استعراضية تشمئز منها النفوس، بذبح جميع هؤلاء الشهداء. وطبعا لا يقتصر القتل على المخالفين في الملة، وإنما لأهل البلاد المسلمين، الذين أرسلت لهم ثلاث سيارات مفخخة يركبها ثلاثة من الانتحاريين الذين تم غسل أدمغتهم، فاستهدفوا سوقا ومحطة بنزين يقف فيها أناس ينتظرون دورهم في تعبئة سياراتهم، فيسقط أكثر من أربعين قتيلا وضعفهم من الجرحي، من الواقفين في المحطة، وكل من يقع في محيط تلك التفجيرات، في المقهى والسوق ومن عابري السبيل، إجرام لا هدف له ولا غاية إلا الإجرام في حد ذاته.
وفي ذات الوقت، قامت داعش العراق بالاعتداء على التراث الإنساني فأحرقت مكتبة الموصل بعد أن أحرقت قاعة للفن والموسيقى، ومازال التوحش مستمرا، فآخر عمل قام به التنظيم الداعشي في ليبيا استهداف حي السفارات في طرابلس العاصمة، وحرق السفارة الإيرانية، لمجرد الإعلان عن العداء المذهبي المتأصل في نفوسهم ضد كل من يخالف هؤلاء المجرمين المذهب أو الطائفة.
في مجلس الأمن رأينا إهمالا لنداءات أهل الحراك السياسي الليبي الذين يستصرخون الإنسانية من أجل مساعدتهم على دحر الإرهاب من بلادهم
نعم هناك تحالف عالمي يقوم بغارات من الجو على دواعش العراق، ولكن هل هذا حقا يكفي؟ إنه بالتأكيد لا يكفي، لأن الدواعش وأشباههم مثل القاعدة وبوكو حرام يزدادون انتشارا ويكتسحون أماكن جديدة ويتمددون في دول أخرى، فداعش يفيض الآن على بلدان الجوار لنيجيريا، وفي ليبيا ازداد شراسة واتساعا، وبعد أن كان محصورا في مناطق درنة، صارت له خلايا في بنغازي، ويحتل سرت عاصمة المنطقة الوسطى، وله عمليات إرهابية في العاصمة، التي سبق أن استعرض قواته في ميادينها، وكذلك في مدن قريبة من العاصمة مثل صبراتة والزاوية.
وهو ما يعني أن غارات التحالف لا تكفي، وهذا التحالف نفسه لا يكفي، فلابد أن يشمل التحالف كل الدول الأعضاء في الهيئة الأممية، وكلها يجب أن يكون لها دور في الحرب على الإرهاب، ليس قوة جوية فقط كما يحدث الآن، وإنما يجب أن يسهم كل قطر بما لديه من إمكانيات مادية وبشرية ومعنوية وسياسية، العتاد والمال والجنود، يخوضها العالم بأجمعه، لأن الخطر لا ينحصر في ليبيا أو العراق أو الشام أو نيجيريا أو مصر، وإنما هو خطر كالسيل، عابر للحدود وعابر للأديان وعابر للإثنيات، وسيصل شره إلى كل من يظن أنه في مأمن منه.
رحم الله الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، الذي أرسل تحذيره لدول الغرب بأن الخطر سيكون في مدنهم ويطال مواطنيهم ويدخل بيوتهم، مجددا كما حدث في الماضي، وقد سمعنا المتحدث الداعشي أثناء مشهد قتل المصريين يهدد بغزوة قريبة تطال روما، ولن يكون ذلك بعيدا إذا استمر الإهمال، خاصة لدواعش ليبيا، حيث رأينا في مجلس الأمن مواصلة للتقاعس عن مجابهة هؤلاء المجرمين الذين يسجلون تزايدا وانتشارا وزخما وقوة بشكل قياسي، وإهمالا لنداءات أهل الحراك السياسي الليبي الذين يستصرخون الإنسانية ويستنهضون الضمير العالمي، من أجل مساعدتهم على دحر الإرهاب المستشري في بلادهم، وكل ما يطلبونه هو رفع الحظر على تسليح الجيش الليبي، وتقديم العون اللوجستي والسياسي فقط، لأنهم لا يريدون من الغرب أن يرسل أولاده يموتون في ليبيا، فالمهمة سيتولاها الليبيون أنفسهم، شرط تزويدهم بما يحتاجونه من سلاح، مقابل السلاح الذي يتلقاه الدواعش والدعم من مصادر خفية مجهولة، فهم يستخدمون كما تقول التقارير أحدث الأسلحة والتقنيات، ويصورون أفلاما لعملياتهم ببراعة أفلام هوليوود نفسها. فمن أين يأتي هذا المدد وهذا العون، وكيف يسمح المجتمع الدولي بإبقاء الدولة الليبية بهذا الضعف، ومؤسساتها الأمنية والعسكرية بهذا المستوى المتدني في التسليح والتدريب، الذي لا يستطيع حتى حماية الحدود؟
كلها أسئلة مشروعة يسألها الليبيون، ويرون فيها مبعثا للشك والريبة في نوايا الغرب ونوايا الهيئة الأممية، وأن هناك ربما أجندات سرية لا يعلنون عنها تستهدف اللعب بليبيا ومقدراتها وإبقائها ورقة للمساومة بها في سيرك السياسة الدولية وأسواقها.

*كاتب ليبي/”العرب”