الرئيسية / وجهات نظر / وماذا بعد “الرابعة”..؟!
14a83fd3e0e2a8e1fbc8972767b216d9

وماذا بعد “الرابعة”..؟!

من أجمل ما كتب الراحل محمد الماغوط هذه المعاني الجميلة: “.. ماذا يفعل هؤلاء العرب من المحيط إلى الخليج؟  لقد أعطونا الساعات وأخذوا الزمن, أعطونا الأحذية وأخذوا الطرقات, أعطونا البرلمانات وأخذوا الحرية, أعطونا العطر والخواتم وأخذوا الحب, أعطونا الأراجيح وأخذوا الأعياد, أعطونا الحليب المجفف وأخذوا الطفولة, أعطونا السماد الكيماوي وأخذوا الربيع, أعطونا الحراس والأقفال وأخذوا الأمان, أعطونا الثوار وأخذوا الثورة..” وقد أغرتني بأن أنسج على منوالها.  لهذا أقول: خذوا العهدة الرابعة وأعطونا شيئا من الدولة خذوا السلطة وأعطونا بعض الأمل خذوا الأموال وأعطونا إنماء، خذوا الدولة وأعطونا مؤسسات، خذوا الجيش والأمن وأعطونا الأمان، خذوا القانون والتشريع وأعطونا الحرية، خذوا البترول والغاز وأعطونا كرامة، خذوا الأراضي وأعطونا أمنا غذائيا، خذوا التعليم وأعطونا العلوم، خذوا الحكومة والوزارات وأعطونا إدارة، خذوا الإدارة وأعطونا الاحترام، خذوا القضاء وأعطونا عدلا، خذوا المناصب وأعطونا مسؤولية، خذوا الانتخابات وأعطونا رئيسا ونوابا قادرين.. خذوا البلاد كلها وأعطونا وطنا وأعطونا عنوانا وأعطونا حبا وغيرة عليه..   
  خذوا كل العهدات، وهي في كل الأحوال واحدة لا زمن لها إلا زمن حياتكم، وأعطونا برنامجا رؤية.. خذوا الأمس واليوم وأعطونا الغد .. خذوا أموال الوطن، خذوا من لحمنا من دمنا وأعطونا استقلالا.. خذوا كل شيء واتركوا لنا الحرية وحق النضال.. لا تأخذوا كل شيء وتعطونا خطابا لا معاني فيه ولا لغة من اللغات.. لا تأخذوا كل شيء وتعطونا هذا السيل الطافح من الرداءة ومن انعدام الأخلاق ومن انعدام حب الوطن.. لا تأخذوا كل شيء مقابل تحطيم المؤسسات وتغييب القانون والكثير من الظلم والقليل القليل من العدل والكثير من النفاق والقليل من الإنجازات والقليل من الاحترام ومن الكرامة ومن الحرية والقليل القليل من التنمية ومن النمو.. وتلك جريمة لو تعلمون.. في الواقع الأدلة كثيرة وقوية أنكم لن تفعلوا، من العبث بالدستور في 2008 إلى العبث بالتشريعيات في 2012 إلى اللعب بالنار اليوم والتلاعب بالدولة بالبلاد بمصالح الناس لصالح عصبة.. لذلك لا وهم ممكن اليوم.. فقد أخذوا كل شيء وعجزوا عن منح الوطن مؤسسات منحوه سلطة ثم احتكروها ورفضوا بناء الدولة..
في مقال الأسبوع الماضي قلت للقراء إنني سأقول كلاما محزنا وأنا أذكر به اليوم: “.. لن نرحل لأي أفق جديد.. سنقبع حيث نحن في مستنقع يزداد تعفنا يوما بعد يوم.. نراوح مكاننا فتغدو المراوحة الفعل الإيجابي الوحيد أمامنا.. لن نتمكن من مبارحة أمكنتنا المهترئة وأفكارنا العاجزة ومطامحنا الموؤودة وأحلامنا الواهمة..” ثم قلت: “.. وللذين سيسألون ولكن إلى أين؟ أقول: سندور حول أنفسنا في حركة رتيبة لا تطحن أي شيء غير شيء من الوطن وشيء مما تبقى من الدولة وما تبقى من استقلالنا وما تبقى من وهم الأوهام.. نعم سنأكل مزيدا من خبز الذل ونتجرع مزيدا من الوهم ومزيدا من الظلم وسنرى مزيدا من العجز ومزيدا من الهزيمة ومزيدا من الهروب ومزيدا من التيه ومزيدا من الانتظار.. إلى أن تأتي لحظة الانكسار..”
لقد أخذوا كل شيء وأعطوا البلاد مخاطر التفجير وأعطوا النظام وسلطته عوامل التفكك وعوامل الصراع لقد أخذوا كل شيء وفرضوا الاحتكار، احتكار السلطة واحتكار الثروة، بل هناك شعور قوي أن الدولة صارت رهينة.. لقد أخذوا كل شيء فما الذي يمكن أن نعطيهم؟ نعطيهم نضالا من أجل التغيير ونعطيهم دعوات دائمة من أجل دولة أخرى ونعطيهم وثبا سياسيا واجتماعيا من أجل فتح أفق آخر..  نقول للذين قرروا وللذين تواطؤا وللذين سكتوا وللذين عجزوا وللذين ينتظرون التاريخ لم ينته هنا.. هناك دائما بداية أخرى.. فالجزائر أكبر من شبقهم وأكبر من طمعهم.. عليهم أن يقرأوا دروس حسني مبارك وأولاده ورجال ماله.. عليهم أن لا يناموا.. وعلينا أن نُطلِّق الانتظار.. لنذهب إلى التاريخ لنحركه في اتجاه آخر.. لنستعيد ما أخذ من الجزائريين.. وكما قال درويش:
نيرون مات، ولم تمت روما.. بعينيها تقاتل!                      وحبوب سنبلة تجف.. ستملأ الوادي سنابل
“الخبر” الجزائرية