الرئيسية / وجهات نظر / اليمن على أعتاب تغيرات جديدة… لكنها معقدة
باسم-حسين-الزيدي

اليمن على أعتاب تغيرات جديدة… لكنها معقدة

التعقيد لازم المشهد اليمني منذ انطلاقة الربيع العربي وما بعد الاطاحة بالرئيس السابق “علي عبد الله صالح”، الذي كان يحكم اليمن “بالرقص على رؤوس الافاعي”، لكن هذا “التعقيد” قد زاد بشكل ملحوظ بعد التطورات السياسية والامنية الاخيرة، والتي ابتدأت بزحف الحوثيين “انصار الله” نحو العاصمة صنعاء في سبتمبر الماضي، وانتهت بتقديم الرئيس اليمني “عبد ربه منصور هادي” استقالته بعد ان اعترف بعجزه في حل الخلافات السياسية القائمة بين الطرفين، بالرغم من توقيع الاتفاق الذي تم التوصل اليه اثناء سيطرة الحوثيين على منزل الرئيس اليمني واغلب مؤسسات ووزارات الدولة، اضافة الى تحالفهم مع الجيش النظامي الذي ما زال يدين بالولاء للرئيس السابق “صالح”.

حق تاريخي
لجماعة الحوثي تاريخ طويل من الحكم في اليمن، فمملكتهم حمت البلاد لمدة قاربت على (1000) عام قبل الاطاحة بهم عام 1962 واعلان النظام الجمهوري في اليمن، لذا فان تحرك الحوثيين المدعوم بحكمهم السابق لليمن “السعيد” لم يكن طارئا او من باب الصدفة، كما انهم خاضوا 6 حروب دامية مع الرئيس السابق “صالح” (فقد خلالها قائد الحوثيين اخيه الاكبر عبد السلام) قبل الاطاحة به، كما واجهت العديد من القبائل النافذة والكبيرة في اليمن “ال احمر”، واستطاعت التغلب عليها في حرب خاطفة، اضافة الى قتالها المستمر مع فرع تنظيم القاعدة في اليمن (ويعتبر احد اقوى فروع القاعدة في المنطقة والمسؤول عن اعتداءات باريس الاخيرة)، في العديد من المناطق والمحافظات اليمنية.
وقد شجع هذا التحرك لجماعة الحوثي الرغبة لدى الانفصاليين في الجنوب لإعادة احياء دولتهم القديمة وسطت مخاوف من تنامي نفوذ الحوثيين بعد ان سيطروا على العاصمة السياسية للبلاد، اضافة الى استقالة الرئيس والحكومة بكامل وزرائها، مع وجود برلمان منقسم على نفسه، وقد تواردت الاخبار والتقارير الى انتشار الجماعات والميليشيات المسلحة في مناطق جنوبية عديدة (عدن، المكلا، عتق، مأرب الشرقية، تعز، اب) الرافضة لسيطرة الحوثين من جهة والداعية الى الاستفادة من هذه الاوضاع، ربما للمضي قدما في طريق اعادة احياء الدولة التي سحقتها قوات صالح في حرب 1990 التي دامت لأربع سنوات، من جهة ثانية، وأيا يكن الامر، فان الشعور العام الذي بات يسيطر على اليمنين، كما يرى اغلب المراقبين، هو الخوف من “حرب اهلية” قادمة قد تزيد من مأساة اليمن المنهك سياسيا واقتصاديا، سيما وان اعتماده على تركيبة عشائرية وقبلية معقدة جدا قد يسهل الصراع والاقتتال الداخلي بدوافع انفصالية او طائفية او رغبة في الوصول الى سدة الحكم.

بين السعودية وإيران
السعودية التي ودعت ملكها قبل ايام قليلة، اختبرت بأس الحوثيين في حرب سريعة عام (2009/2010، وقتل فيها اكثر من 200 عنصر امن سعودي) لم تسفر عن تغيرات حقيقية في واقع الحال، سيما وانها ترى في جماعة الحوثيين تهديدا مباشرا لها باعتبارهم امتداد طبيعي لإيران، وان الدور الذي تريده (ايران) لحركة “انصار الله”، هو دور مشابه لحزب الله اللبناني لكن في الخليج ومجاور لحدودهم الادارية، وقد طرأت العديد من التغيرات السياسية والجيوسياسية منذ ذلك الوقت، (وبالتحديد بعد احداث الربيع العربي)، كما تحول الحوثيين من القوى السياسية والعسكرية البارزة في اليمن والتي استطاعت (اضافة الى مواجهة الحكومة المركزية السابقة والسعودية) مواجهة تنظيم القاعدة والانتصار عليه في عدة معارك، فضلا عن كسر شوكة (وكسب ولاء) العديد من القبائل النافذة في مجتمع يحكمه العرف العشائري في المقام الاول.
ومع ان التفاعل السعودي مع الاحداث الاخيرة في اليمن لم يكن بالمستوى المعهود منها (فهي لن تتأخر عن التدخل العسكري في البحرين لقمع المتظاهرين الشيعة)، الا ان التغيرات الاخيرة في رأس الهرم السعودي قد تعني اعادة ترتيب اولوياتها التكتيكية في المجال اليمني قريبا، وربما تأتي استقالة الرئيس والحكومة اليمنية كمقدمة لممارسة المزيد من الضغوط السياسية ضد الحوثيين، خصوصا وان الاستقالة الجماعية للرئيس والحكومة التي يعترف بها المجتمع الدولي، تحول اليمن الى بلاد تحكمه جماعات غير معترف بها، وهي اقرب الى الميليشيا المسلحة منه الى الحزب السياسي من وجه نظر الغرب.

مكافحة الارهاب
الولايات المتحدة وبعض حلفائها الاوربيين مصرون على التعامل مع خطر تنظيم القاعدة في اليمن، والذي تمكن من تجنيد الاخوة (كواشي) لتنفيذ هجمات (شارلي ايبدو) في فرنسا، وتعتقد الولايات المتحدة ان فرع القاعدة في اليمن قادر على تهديد أمن الولايات المتحدة الامريكية ومصالحها الاقتصادية في منطقة الشرق الاوسط، لذا فان تطور الاوضاع السياسية في اليمن من اهم اولوياتها في مسالة مكافحة الارهاب العالمي، وقد اشار كريستوفر هيل، السفير الأمريكي الأسبق في العراق، تعقيبا على هذه التطورات بالقول “أظن أن المخاطر تتزايد بسرعة في اليمن، والولايات المتحدة تحاول التعامل مع الموقف بهدوء والعمل مع أي فريق يصل إلى السلطة لأن العمل الذي قمنا به مع الحكومتين السابقتين كان إيجابيا جدا ونحن نرغب برؤية ما إذا كان بالإمكان مواصلته، غير أنني على ثقة من أن السعوديين يشعرون بقلق شديد حيال التطورات الأخيرة”، كون السعوديون لا يشعرون بالرضا “حيال ظهور حكومة مدعومة من الأقلية الشيعية في اليمن”، وهو ما قد يدفع الولايات المتحدة الامريكية الى منع انتشار الفوضى التي قد تتسبب بها الخلافات بين الاطراف السياسية الفاعلة في اليمن، والتوصل سريعا الى قرارات من شانها المحافظة على الاوضاع “شبه المستقرة”، والتي قد تبدئها بالمفاوضات لوقف اطلاق النار، والاتفاق على تفعيل المبادرات السياسية السابقة، من اجل استمرار عملياتها العسكرية التي استهدفت تنظيم القاعدة في اليمن، والتي وصفت على انها ناجحة حتى الان، فيما اشار الرئيس الامريكي “اوباما”، بان البديل عن الاستراتيجية الامريكية في اليمن (بشان مكافحة الارهاب) هو قوات امريكية على الارض، وهذا ما لا يتمناه احد في الحكومة الامريكية.
ما يعني ان اليمن قد تشهد تغيرات قادمة في الحكم، ودور أكبر للحوثيين في السلطة، من اجل استمرار جهود الولايات المتحدة الامريكية في مكافحة تنظيم القاعدة في اليمن، في مقابل اقناع السعوديين بجدوى وجدية هذه المتغيرات، لان البديل سيكون فوضى “غير سارة” للسعودية التي يهددها خطر القاعدة من الشمال اليمني، فضلا عن الحوثيين جنوبا.

* مركز المستقبل للدراسات والبحوث/المنتدى السياسي