الرئيسية / وجهات نظر / حول مشروع القرار المقدم لمجلس الأمن حول فلسطين
IBRAHIM-ABRACHE

حول مشروع القرار المقدم لمجلس الأمن حول فلسطين

اهتمام دولي شعبي ورسمي غير مسبوق حول فلسطين وضرورة قيام دولة فلسطينية، ولكن يقابله انقسام وتخبط النخبة السياسية الفلسطينية في التعامل مع هذا المُستجد الدولي وكيفية استثماره بما يلبي الحقوق الوطنية التاريخية في فلسطين في حدود برنامج محل توافق وطني. من يقرأ صيغة مشروع القرار المُقدم لمجلس الأمن يوم السابع عشر من الشهر الجاري حول (فلسطين) ويتابع النقاش والجدل الحاد حوله، سواء داخل الصف الفلسطيني أو بين الدول العربية والأجنبية، يعتقد أن المشكلة الفلسطينية لم تظهر للوجود إلا اليوم، وفي افضل الحالات عام 1967 مع الاحتلال الإسرائيلي للضفة وغزة وبقية الأراضي العربية. وأن يقول رياض المالكي وزير الخارجية الفلسطينية في الجزائر إننا أدخلنا أربعة تعديلات على صيغة القرار وما زال مفتوحا لمن لديه اقتراحات أخرى !، أمر يثير الغضب، فليس هكذا تُصاغ وتُطلب الحقوق الوطنية.
لا ندري من هو صاحب مشروع القرار الذي تم تقديمه لمجلس الأمن ؟ هل هي القيادة الفلسطينية ممثلة بالرئيس أبو مازن؟ أم الدول العربية ذات الشأن ؟ أم الفرنسيون والأوروبيون؟ أم الأمريكيون بطريقة غير مباشرة ؟ أم كل هؤلاء؟ وما هي مرجعية من صاغ القرار؟ هل هي الحقوق التاريخية؟ أم قرارات الشرعية الدولية؟ أم اتفاقية أوسلو ولواحقها؟ أم الأمر الواقع وموازين القوى الراهنة؟. هل باتت حقوقنا معروضة للمساومة من طرف كل من هب ودب ليُدخِل التعديلات التي يريد على قرار سيصبح في حالة اعتماده مرجعية المفاوضات ومصدر حقوقنا الوطنية ؟ وأين هو القرار الوطني المستقل في التعبير والحديث وصياغة حقوقنا الوطنية والتاريخية ؟ وما هو موقف حركة فتح من كل ما يجري ؟.
يبدو أنه مع كثرة التعديلات التي تم إدخالها على الفكرة والنص الأول الذي اقترحته القيادة الفلسطينية على الفصائل لتبرير الذهاب للأمم المتحدة، وبعد فض موسم المساومات والابتزازات، سنكون أمام صيغة نهائية لمشروع قرار غير ذي صلة بالفكرة الأولى ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن طموحات ومطالب الشعب الفلسطيني، ومن هنا ندرك لماذا تعارض غالبية فصائل منظمة التحرير الصيغة النهائية للقرار، ولماذا ينتاب الشعب حالة من التشويش والإرباك حول ما يجري في الأمم المتحدة مع أن القرار يتعلق بالمصير الوطني.
إذا كانت غالبية فصائل منظمة التحرير رافضة أو متحفظة على صيغة القرار، وإذا كان لم يصدر عن حركة فتح حسب علمي أي موقف حول الموضوع، وفي ظني أن كثيرين من حركة فتح غير راضيين عن صيغة القرار ولكن الحرج من الرئيس يمنعهم من الإفصاح عن رأيهم علنا، وإذا كان القرار لم يتم عرضه على استفتاء شعبي بالرغم من أنه يستحق ذلك، لأنه سيصبح مرجعية حقوقنا السياسية ومرجعية أية مفاوضات قادمة… فمن هي الجهة التي تتصرف وتتلاعب بحقوقنا الوطنية ؟ ولمصلحة من؟ وهل هناك مرجعية فلسطينية خفية فوق وأهم من كل المرجعيات الرسمية المعروفة ؟.
نؤكد بداية أننا لا نعارض مبدأ التسوية السلمية للصراع مع إسرائيل، ونعترف بأهمية التعامل مع الشرعية الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة، ونثمن جهود الرئيس أبو مازن في هذا السياق، ولكن، على شرط أن يكون كل ذلك من أجل استعادة حقوقنا التاريخية في فلسطين ولو في حدود إعلان الاستقلال في الجزائر في نوفمبر عام 1988، وهو الإعلان الذي مع كونه أقر لأول مرة بالاعتراف بدولة فلسطينية اعتمادا على قرارات الشرعية الدولية، إلا أنه أكد على الحق التاريخي للفلسطينيين في فلسطين وخصوصا في قضايا القدس واللاجئين والحدود.
الشرعية الدولية لا تمنح للشعوب حقوقا تاريخية أو وطنية، بل تدعم الشعوب التي تناضل لاستعادة حقوقها، وبالتالي فمصدر حقوقنا ليس قرارا دوليا سواء كان من مجلس الأمن أو من الجمعية العامة، بل مصدرها حق تاريخي يعود لأكثر من أربعة آلاف عام، وهو ما غاب عن صيغة القرار المقدم لمجلس الأمن الذي يتعامل مع الفلسطينيين وكأنهم شعب لقيط أفرزته حروب ومشاكل المنطقة بعد حرب 1967 وبالتالي يجب إيجاد مكان يلمهم ويُريح المنطقة من مشاكلهم.
هناك فرق بين التعامل مع التسوية السياسية والشرعية الدولية لاستعادة جزء من حق وطني وتاريخي تم التوافق عليه وطنيا، حتى وإن كان الجزء المُستعاد سينهي الصراع رسميا، وبين أن نترك للأمم المتحدة ولمن يرعى عملية التسوية السياسية – واشنطن – أن يحددوا لنا حقوقا مستمدة فقط من قرارات دولية وخصوصا قرار 242 بتجاهل كامل مع تاريخنا الوطني في فلسطين ومع روايتنا الوطنية التي تؤكد بأننا أصحاب الحق في فلسطين منذ أكثر من أربعة آلاف سنة. السلوك الثاني ينسجم مع الرواية الإسرائيلية ومع مطالبهم بالاعتراف بيهودية دولة إسرائيل ومن يدقق بصيغة مشروع القرار حول القدس واللاجئين بالإضافة لغياب أية إشارة لحقوقنا التاريخية، سيلمس وكأن القرار يشكل استجابة مبطنة للرواية التاريخية الصهيونية وينسجم مع مطلب يهودية الدولة.
إن الدولة التي تقام بقرار دولي، والحق الذي يُمنح بقرار دولي، يمكن أن يزولا بقرار دوليأيضا، وخصوصا أن القرار المتوقع صدوره عن مجلس الأمن لن يكون حسب المادة السابعة من الميثاق بل حسب المادة السادسة شأنه شأن القرار 242 الذي مر عليه حوالي سبعة وأربعون عاما. سيكون من الشطط في التحليل والاستنتاج تبرير الحراك الدولي والاعتماد كليا على تغير المواقف والسياسات الدولية لصالحنا، بأنه استفادة من تجربة قيام إسرائيل والاقتداء بها، حيث ترى وجهة النظر هذه أن إسرائيل قامت نتيجة قرار دولي وتوازنات دولية فقط وبالتالي فدولة فلسطينية لن تقوم إلا بقرار دولي ونتيجة متغيرات دولية.
الخطأ في الرؤية السابقة يكمن في أن إسرائيل لم تقم فقط نتيجة قرار التقسيم 181 ولا نتيجة وعد بلفور قبل ذلك، بل وظف اليهود واستغلوا كل ذلك ليدعموا الحركة الصهيونية (حركة مقاومة يهودية) بدأت قبل 48 وصنفتها لندن كحركة إرهابية ونحن نصفها وما زلنا كحركة إرهابية، واستمرت بعد قيام إسرائيل تعتمد بشكل كبير على قوتها الذاتية، أما في حالتنا الفلسطينية فيتم المراهنة كليا على هذا الحراك الدولي مع تجاهل العامل الذاتي أو عدم العمل على تفعيله.
بالإضافة إلى ما سبق فإن الخطورة تكمن في أن خطوة الذهاب للأمم المتحدة تم تفريغها من جوهريتها ومن قوة دفعها الأولى عندما آل الأمر للصيغة الراهنة للقرار والتي تؤكد على العودة للمفاوضات حتى وإن تمت الإشارة إلى أجل لإنهاء الاحتلال، حيث المؤكد من القرار في حالة صدوره هو العودة لطاولة المفاوضات، وغير المؤكد هو التوصل لتفاهمات خلال سنة من المفاوضات أو أن تستمر المفاوضات لسنة فقط، ومن غير المؤكد التزام إسرائيل بالانسحاب خلال 3 سنوات ! فلا توجد ضمانات بإلزام إسرائيل بالمواعيد المحددة،ولا توجد عقوبات أو آلية للمساءلة في حالة اختراق إسرائيل للمواعيد المقررة.
وفي الختام نقول، إن الشرعية الدولية لن تقَدِم لنا الدولة على طبق من ذهب، وحتى في حالة حصولنا على القرار الذي نريد قد يصبح الوضع الفلسطيني الداخلي وخصوصا الانقسام عائقا أمام إنفاذه، وليس الاحتلال والرفض الإسرائيلي لتطبيق القرار. إن الارتجالية وهشاشة وضعف النخبة السياسية الفلسطينية أمام إسرائيل وواشنطن، وعدم قدرتها على الحسم في الملفات الاستراتيجية كالمصالحة، والذهاب للمنظمات الدولية، وعدم الإصرار على صيغة قرار نقدمه لمجلس الأمن محل توافق وطني سواء قبلت به واشنطن أو رفضته، وغياب حراك صدامي محسوب مع إسرائيل، كل ذلك يثير تساؤلات مقلقة حول الهدف الحقيقي للنخبة السياسية الحاكمة من وراء تحركها السياسي.

*عميد كلية الآداب بجامعة الأزهر بغزة