الرئيسية / وجهات نظر / لعنة النفط الجزائري
AZRAJE OMAR

لعنة النفط الجزائري

يبدو أن عرس ما يدعوه النظام الجزائري الحاكم بالاستقرار الاقتصادي قد يتحول إلى مأتم، لأنه منذ بداية انخفاض أسعار البترول في الأسواق العالمية، بدأ هذا النظام يتململ ويعدَ العدة لإدخال البلاد في نفق التقشف المظلم.
وأكثر من ذلك فإن الحكومة الجزائرية قد شرعت، فعلا، في إعداد الخطط لتفادي انهيار الحائط الذي كان يستند إليه النظام الحاكم، ولكن هذه الخطط وما تتضمنه من الإجراءات التي بموجبها يتم تقليص النفقات، وتأجيل عدد من المشاريع الكبرى والصغرى، التي برمج تنفيذها في السنوات الخمس القادمة، قد تصبح بمثابة القشة التي ستقصم ظهر البعير، ذلك لأن الشعب الجزائري لن يتحمل المزيد من تدهور أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية التي جعلته يعيش الفاقة منذ سنوات طويلة.
في إطار البحث عن الحل، قبل انفجار الأوضاع، ترأس الوزير الأول الجزائري عبدالمالك سلال، يوم الاثنين الماضي، اجتماعا طارئا حضره عدد من وزراء حكومته لوضع ما سمي “استراتيجية ترشيد الاقتصاد الوطني”، غير أن هذا الاجتماع لم يقدم أي استراتيجية مقنعة للرأي العام الوطني عدا بعض الإشارات العامة إلى إمكانية خفض مرتبات الوزراء والولاة وفرض الضرائب على التجار الصغار والكبار.
وفي بحر هذا الأسبوع صرّح محافظ بنك الجزائر محمد لكصاسي أن الجزائر مقبلة على أزمة مالية صادمة في حالة استمرار انخفاض أسعار الذهب الأسود. وفي السياق ذاته أنذر هذا المحافظ الرأي العام الجزائري بخطورة الوضع، مبرزا أن الجزائر سوف لن تقدر على تحمّل تبعات تدهور أسعار النفط.
من الضروري الإشارة هنا إلى أن أحد الحلول التي يلوّح بها النظام الجزائري هو استقطاب القطاع الخاص للقيام بتنفيذ بعض المشاريع التي نص عليها المخطط الخماسي الذي كان من المفترض أن يغطي فترة (2015-2019).
وبهذا الخصوص فإن المراقبين للشأن الاقتصادي الجزائري يرون أن هذه الإجراءات تدخل، ضمنيا، في سيناريو مواصلة تفكيك القطاع الوطني العام لفرض الأمر الواقع على الاقتصاد الوطني، وجعله رهينة لأرباب القطاع الخاص الذين تربطهم علاقة موالاة وشراكة عضوية في الريع المالي مع عدد من كبار رموز النظام نفسه.
لا شك أن النظام الجزائري بدأ يلعب الآن على وتر تلميع صورته وتقديم نفسه على أنه هو الضحية وأنه المرشح الطليعي لدفع فاتورة تدهور أسعار النفط، وذلك بتلميحه بالبدء في تقليص أجور الوزراء والولاة وكبار المسؤولين في المؤسسات وأجهزة الدولة، دون أن يقدم للرأي العام الوطني أي معلومات واضحة عن حجم هذا التقليص.
علما أن أجور هؤلاء المسؤولين الكبار المتواجدين في دواليب الدولة تتميز بأنها ذات طابع أخطبوطي جراء غياب الشفافية المالية في المؤسسات المركزية المحورية من جهة، وبسبب انخراط الكثير منهم في أعمال تجارية متنوعة وإضافية (سرية) وهي مسجلة إما بأسماء ذويهم، أو بأسماء شركائهم المقنّعين بآلاف الأقنعة تجنبا للمحاسبة والظهور إلى العلن أمام المواطنين كتجار يحركون خيوط اللعبة خلف الستار، في الوقت الذي ينتحلون فيه صفة رجال الدولة من جهة أخرى.
والحال هذه، فإن التحليل الصحيح للوضع الاقتصادي الجزائري الهش المهدد بانخفاض أسعار النفط هو عكس ما يروّجه النظام الجزائري من تفسيرات كلها مغالطات وتلفيقات وتحريف للحقائق. بهذا الخصوص فإن إدعاءات النظام الجزائري لا تصمد أمام النقاش الجاد لأن الوقائع تفند كل مزاعمه.
وقد نقل المعلق الإعلامي بجريدة “النهار” الجزائرية عبدالرؤوف شودار عن الأستاذ عمر خليف، الخبير في شؤون الطاقة، قوله الذي يكشف حقيقة طالما أخفاها النظام الجزائري بطرق مختلفة، ومفادها أنَ “55 بالمئة من البترول الجزائري بيد الشركات الأجنبية”، ونتيجة لهذا فإن هذا الخبير يؤكد لنفس المصدر أن “شركة سوناطراك لا تنتج سوى 45 بالمئة من البترول الجزائري”، ويعني هذا، عمليا، أنَ السيادة الوطنية الكاملة على النفط الجزائري منعدمة، وأن تأميم المحروقات الذي أنجزه الرئيس الراحل هواري بومدين قد أصبح في خبر كان، بعد أن ذرّته رياح السياسات العقيمة التي انتهجها النظام الجزائري الذي انبطح، ولا يزال ينبطح، أمام الشركات متعددة الجنسيات وبشكل أكثر درامية في مرحلة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة التي لم تغلق سجلاتها بعد.
من الواضح أن النظام الجزائري ومنذ تسلم الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد السلطة إلى يومنا هذا، قد لعب، ولا يزال يلعب، دورا محوريا في تحطيم الاقتصاد الجزائري وفرض التبعية للمراكز الاقتصادية الأجنبية على المجتمع الجزائري فرضا عنيفا، ويتجلى هذا التحطيم المنهجي في سلسلة من الأخطاء الكبرى الخطيرة منها؛ إهمال قطاع الفلاحة والزراعة وعدم تحديثه الأمر الذي جعل الدولة تعتمد على استيراد المواد الغذائية بنسبة 80 بالمئة من الخارج ودفع أثمانها بالعملة الصعبة التي توفرها عائدات البترول والغاز.
وزيادة على هذا فإن الإمكانيات السياحية الهائلة التي تتوفر عليها الجزائر لم تستثمر إطلاقا، بل إنها قد طمست كليا، وبسبب هذا فإن الخزينة الوطنية تخسر مبالغ وإمكانيات ضخمة. إلى جانب ما أشرنا إليه من إخفاقات، فإن السياسة الصناعية المتبعة من قبل النظام الجزائري منذ الاستقلال إلى هذه اللحظة، قد ساهمت في تعطيل التنمية الوطنية المنتجة وتحريفها عن الوجهة الصحيحة، لأنها سياسة فاشلة لم تثمر صناعة وطنية تغطي، على الأقل، حاجيات المجتمع الجزائري ولم تخفف جزئيا من وطأة الاعتماد الكلي على عائدات مبيعات البترول والغاز.
والأدهى والأمر هو أن المصانع والمجمّعات التي أفرزتها هذه السياسة كانت ولا تزال تعتمد كليا على قطع الغيار الأجنبية، وعلى الخبراء الأجانب، وأصبحت في الأخير مجرد ورشات للتكوين المهني المتخلف، علما أن تكاليفها جميعا مدفوعة بالعملة الصعبة التي تدرّها عائدات البترول والغاز.
لاشك أن الملاحظات التي سجلها مؤخرا أحمد بن بيتور، رئيس وزراء الجزائر السابق وأحد الشخصيات المعارضة حاليا، في منتدى جريدة “الشروق” اليومي بخصوص ما سيسفر عنه انخفاض أسعار النفط من أزمات معقدة وخطيرة في المجتمع الجزائري، جديرة بالتأمل. فهو يرى أن “الحكومة عاجزة عن انتهاج سياسة جديدة لا تعتمد على ريع البترول والغاز”، وفي هذا السياق نجده يحذر من احتمال دخول الاقتصاد الجزائري في الركود، ومن “مراجعة دعم الدولة لأسعار المواد الغذائية الأساسية، ومن التراجع عن التكفل بالتعليم والصحة المجانية ومعاشات المتقاعدين”.
إن الصورة التي رسمها رئيس الحكومة السابق أحمد بن بيتور في هذه الندوة للنظام الحاكم قاتمة، خاصة في حال استمرار انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية، لأنه في ظل مثل هذه الظروف الصعبة سوف يعجز، تماما، عن مواصلة “سياسة شراء السلم الاجتماعي” الذي اعتاد عليه منذ سنوات.

*كاتب جزائري/”العرب”