الرئيسية / وجهات نظر / المصلحة العليا لتونس
2607418eb931b0e4cba5a1047fd28d9d

المصلحة العليا لتونس

التسريبات التي ترددت طوال أيام وتحدثت عن ترشيح الثري اليهودي بيريز الطرابلسي الحامل للجنسية التونسية كي يتولى حقيبة السياحة في حكومة تكنوقراط تونس الجديدة، سقطت جميعها في الماء فور الاعلان عن تعيين سيدة مقيمة في الخارج على رأس الوزارة. ما حصل في ما بعد هو ما شاهده الجميع على شاشة التلفزيون من ضجة محدودة المكان والتوقيت لم تتجاوز قاعات المجلس التأسيسي بدأت بنبش البعض في السيرة الذاتية للوزيرة واكتشافهم بمحض الصدفة انها زارت تل ابيب عام 2006 في مهمة وصفت بالعلمية ولغرض الاشراف على دورات تدريبية لفائدة الفلسطينيين، ثم سرعان ما انتهى الامر بعدها الى غلق الملف.
ما يثير الاهتمام في القصة هو صمت الوزيرة وتصريحها المقتضب والغاضب بعد اداء اليمين، بأنها تضع استقالتها بين يدي رئيس الحكومة، أعقبه مجرد وعد باهت من الاخير بمراجعة وتدارك اي أخطاء قد تكون وقعت في تسمية اعضاء فريقه الوزاري. أما آلة الاعلام الرهيبة التي اعتادت في السنوات الاخيرة على التقاط زلات اللسان وعثرات الترويكا المستقيلة، فيبدو ان ما حصل لم يكن ليحرك لها ساكنا ويثير فضولها ونهمها المعتاد، او يستدعي القيام من جانبها بأي عمل استقصائي لفرز الحقيقة من الخيال.
الشعار البراق الذي باتت ترفعه الان اكثر من صحيفة وقناة تلفزيونية او اذاعية ويلقى هوى كبيرا لدى الساسة من اليمين واليسار، هو مصلحة تونس العليا الذي تحول الى مبرر يقدمه كل من يقصر نظره على الشهادات العلمية المرموقة للوزيرة الجديدة دون سواها، ويجد في ذلك ما يكفيه مشقة الاهتمام بباقي التفاصيل الجانبية او تشويش الصورة الوردية، بإثارة ملفات قديمة لا طائل من وراء فتحها مثل تلك الزيارة المشؤومة للكيان الاسرائيلي.
يشبه الامر الى حد بعيد صرعة مجنونة من الواقعية العمياء او النفعية المقيتة تندفع اليها تونس بقوة وعلى غير هدى بعد ان قطعت اشواطا متقدمة في مسارها الانتقالي بوضع الدستور وتشكيل حكومة جديدة قامت على توافقات ‘هجينة’ بين المنتصر والمهزوم في انتخابات2011. ومن الواضح ان تلك الصرعة تأخذ بألباب الكثيرين، خصوصا ان الشعار شديد الجاذبية والاغراء يرتبط في اذهان التونسيين بجلب مكاسب طال انتظارها حتى غدت للبعض سرابا او حلما بعيد المنال.
ما يرفع نذر الوقوع في انحراف حاد وخطير قد يعصف بالتجربة التونسية ويقوض نجاحاتها، هو ليس مجرد الانخراط في واقعية محسوبة تعطي البلد قدرا مطلوبا وضروريا من الاستقرار، وتسمح بكسر الحصار الذي ضربه الشقيق قبل الصديق، بل في تحول تلك الواقعية الى سيل جارف يأخذ في طريقه قسطا من رصيد الحرية والكرامة الذي انتزع بوعورة قبل اعوام، وذلك باسم المصلحة الوطنية وما تقتضيه الضرورة.
اصوات كثيرة بدأت في الارتفاع هذه الايام وفي اكثر من اتجاه، لكن دائما تحت نفس تلك الشعارات، اي الواقعية والمصلحة. البعض ركب موجة ‘التوافق’ ومن خلالها بدأ يطالب صراحة بان يقع اختصار العدالة الانتقالية الموعودة في مصالحة شكلية لا تفرق بين ظالم ومظلوم، وتنتفي معها المحاسبة المطلوبة لزمن الاستبداد ورموزه. والبعض الاخر بدا له ان الاهم هو الدعوة الى مراجعة السياسة الخارجية للبلاد تجاه اشقائها العرب والاشقاء المقصودون هنا بالتحديد هم نظام بشار الاسد وحكام مصر الحاليين الذين قطعت حكومة الترويكا السابقة علاقاتها بهم بطرد السفير السوري وبالتعبير عن موقف واضح وصريح ضد الانقلاب على الشرعية في مصر.
اما المنطلقات فهي نفسها، اذ لا اختلاف في الرؤية تقريبا بين من يرى في محاسبة منظومة الفساد والاستبداد ابتعادا عن البراغماتية، وبين من لا يعدم سبيلا لمطالبة الحكومات التي افرزها الاقتراع الحر الاول في تاريخ تونس بتقديم كشف حساب مفصل يفضي بها في النهاية الى قاعات المحاكم المحلية، وحتى الدولية. وتلك مفارقة تكشف ان مثل تلك التصورات يأخذها فقط مجرد هوس محموم في الانتقام من الاسلاميين وتصوير تجربتهم القصيرة في السلطة على انها فشل ذريع وسواد كالح امكن للبلاد الان فقط ان تتخلص منه لتستعيد نضارتها المفقودة.
وحتى تستعاد تلك النضارة الموهومة فليس هناك من ضوابط او حدود في تقدير المصلحة ولا حتى في التضحية في سبيل الوصول اليها. قد تكفي المكاسب المتوقعة حتى المؤقتة منها لطمس السجلات الشخصية للافراد، لكن اي المكاسب الحقيقية التي ستجنيها البلاد من وراء ذلك التفكير؟ سؤال قد لا يستطيع الاجابة عنه من اثار قصة الوزيرة، ولا ايضا من اختار لها تلك الخاتمة السعيدة والسريعة.
“القدس العربي”