الرئيسية / وجهات نظر / محنة الاصطفاف في تونس
وزير-الثقافة-التونسي-المهدي-مبروك

محنة الاصطفاف في تونس

يكتب أحد المثقفين اليساريين ممن عرفوا بإبداعهم الروائي، واعتدالهم الإيديولوجي، أن الشعب التونسي مقدم مع اقتراب موعد الدور الثاني من الانتخابات التشريعية، وبشكل سافر، وربما مؤلم، لأول مرة، على محنة الاصطفاف.
تسحب الانتخابات من النخب بشكل خاص، سياسية كانت أو فكرية، أو ثقافية، إمكانية أن تلوذ بالمناطق الرمادية، حيث تتوفر إمكانيات التخفي والتمويه، حينما تدفعهم إلى الاختيار. فمع الانتخابات، لم تعد السياسة مجرد تقديرات أو تقييمات لأشخاص، أو أفكار، إنما هي خياراتٌ، تترجم في فعل تصويت، أحياناً، مؤلم.
في تونس، عثر جل الناخبين في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية، تحت الوفرة الانتخابية، على ضالتهم، مهما كانوا لحوحين، وصوتوا لمرشحهم المفضل. لا بد أن مرشحاً ما يستجيب لجل تطلعات الناخب: يقاسمه أفكاره ورؤاه، وحتى العديد من ملامحه وقسماته، وقد يصل ذلك أحياناً إلى حد التطابق.
خضنا، كتونسيين، الدور الأول من الانتخابات في سوق انتخابي، ميزته وفرة العرض الانتخابي. سبع وعشرون مترشحاً، انطلقوا في سباق طويل وشرس. كانت حظوظهم، منذ الانطلاق، غير متساوية، لكنهم توزعوا في أثناء السباق الانتخابي إلى كوكبات متباينة، كما يحدث دوماً في سباق الخيل. يجد المتحزبون عادة في مرشحيهم أفضل العروض على الإطلاق، ففيه يحدث ضرب من التطابق مع اختياراتهم، فيكون التصويت له على شاكلة من الولاء والانضباط، في حين ينجذب عامة الناخبين إلى هذا المرشح أو ذاك، تحت مفاعيل عديدة: البرنامج، الخطاب أو المسار النضالي أو الكفاءات أو القدرات، وحتى الصورة النمطية التي يسوقها عنه الإعلام، والتي لم تكن في حالة الانتخابات الرئاسية الحالية منصفة للجميع لها أثر كبير.
وقد انتهى الدور الأول، وأقصي من أقصي، ولم يحتفظ في النهاية، إلا بمترشحين اثنين، سيخوضان الدور الثاني بعد بضع أسابيع. آنذاك، سيحدث، وبشكل عكسي، انحصار العرض الانتخابي في مترشحين فحسب، لن يضيفا أشياء ذات بال عما عرضاه في الدور الأول. لذلك، تغير الحملات الانتخابية عادة من تكتيكاتها، وتناور حتى تربك الخصم، وتدفعه إلى ارتكاب أكثر ما يمكن من الأخطاء.
في مثل هذا السياق، حيث تحاصرك الانتخابات، حتى وأنت تخلد إلى النوم، لم يعد ممكنا أن تواري مواقفك وخياراتك الانتخابية، وهي، وإن حصلت، لا تحوز على حد أدنى من التصديق أو الاحترام، غير أن الاختيار، هذه المرة، ولدى شرائح مهمة من الناخبين لن يكون دوماً وفق تقييم يرجح الأفضل، بل وفق الأقل سوءاً، فعديدون من هؤلاء يعبرون عن عدم اقتناعهم بأحد المترشحين، ولكن يقبلون على التصويت له، تجنبا لمساوئ خصمه الذي لا يحتمل.
في حالات عديدة، لا يعثر الناخبون على ذواتهم في شخصية المنصف المرزوقي، ولا أيضاً في شخصية الباجي السبسي، ومع ذلك سيصوتون لأحدهم، ويتغاضون عن تحفظاتهم، خصوصا وأن قسطاً واسعاً من الرأي العام فقدوا مرشحي الوسط الديموقراطي الاجتماعي، فلقد أجبرت الانتخابات التشريعية، وحتى الرئاسية، رموز هذا التيار على الاختفاء، وبهزيمة قاسية، على غرار أحمد نجيب الشابي ومصطفى من جعفر وغيرهما.
بهذا الإقصاء، سواء كان عقاباً لبعضهم، أو عدم اقتناع بالبعض الآخر، يثبت التونسيون أنهم هواة نزال. ففي هذه الديموقراطية الناشئة، يبدي التونسي، وخصوصاً من ذوي المستويات التعليمية المحدودة، إعجاباً بالأغنية الشهيرة التي يؤديها المطرب الراحل، علي الرياحي، “هات السيف وايجا قابلني”. النزال الثنائي مشوق، لكنه مكلف، ويجبر على الاصطفاف والانكشاف. خبره أجدادهم الأوائل، حينما كان ذلك متعةً، شيدوا لها أعتى المسارح الرومانية.
المغالبة والمناصرة مفردتان يثويان في مخيال الناخبين، فوراء ثقافتنا الحديثة تختفي قيم النزال التي عرفتها تونس الرومانية، وعرفتها، أيضاً، حتى البوادي وأرباض المدن طوال العصور الوسطى. من ذلك المخيال السياسي تسيطر على الناخبين صور المنازلة أكثر من صور المنافسة الانتخابية.
فائض الحماسة والتوظيف في سياق أمني هش دفع الهيئة العليا للانتخابات إلى تنظيم اجتماعات قادمة مع المترشحين، لضبط الحملة الانتخابية المقبلة، خشية أن تنزاح عن غاياتها، فتجر البلاد إلى منزلق العنف في مناخ من الشحن واللغة العنيفة التي بدأها بشكل مبكر، هذه المرة، الباجي قائد السبسي، حين نعت من صوّت لخصمه، أي المنصف المرزوقي، بالإسلاميين والمتطرفين، وحتى الجهاديين، وتواصل مثل هذا الشحن في تصريحات نخب جامعية اتهمت جنوب البلاد التي مثلت قلعة انتخابية للمرزوقي بالوعي “الغيبي”. دفع كل هذه الشحن الاستقطاب إلى بلوغ مدى غير قابل للتحمل. أصبح الرأي العام منقسماً، ولم تسلم الجغرافيا الانتخابية من تأويلات سياسية، لا صلة لها بالحقيقة، فأصيبت البلاد بشرخٍ، يكاد يقسمها إلى معسكرين. لم يعد لدى ناخبين عديدين، أو حتى ممن لم يصوت من قبل، الوقوف على الحياد أمراً ممكناً، كما حدث في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية، لأن ذلك لا يعني، في النهاية، إلا وقوفاً على الربوة وإعطاء صك أبيض للخصم.
لن يكون الخطاب، ولا البرامج قادرة، هذه المرة، لا على إقناع الناخبين، ولا على جر من خيروا، المرة الفارطة، عدم التصويت أصلاً، بل ستكون صورة الرئيس القادر على ضمان وحدة التونسيين واحترام تعددهم واختلافهم هي المحددة. الشعور بالمهانة والازدراء سيكون الخطأ المنفر والقاتل هذه المرة. يعلم الجميع أن النقاط الست الفاصلة بين المترشحين أمراً مزعجاً للفائز الأول بالذات، بعد أن منّى نفسه بالانتصار “بالضربة القاضية”، أو على الأقل بفارق من النقاط، يمنحه أسبقية مريحة، ولكن يدرك من أشرف على الحملات الانتخابية للمرشحين أن المباراة النهائية ستكون على شاكلة ركلات ترجيحية، والفائز فيها سيكون من ارتكب أقل الأخطاء. الذاكرة والصبر والتحمل والانضباط ربما هي بعض أسرار التصدي الناجح لضربات الجزاء. الحظ في الكرة وارد، أما في السياسة فلا.
الاصطفاف وراء مترشح من اثنين ضروري، لكنه أحيانا مؤلم. مسلكان لا غير يحملان خصوماً، لم يكن بالإمكان تصورهم مجتمعين حتى في عربة قطار، فإذا هم رفاق سفر.

* سياسي تونسي ووزير سابق/ “العربي الجديد”