الرئيسية / وجهات نظر / إيران لا تخدع إلا نفسها
فواز العلمي

إيران لا تخدع إلا نفسها

كشف “تريتا بارسي” عن الاجتماعات السرية التي عقدت بين إيران وإسرائيل في عدة عواصم أوروبية، اقترح فيها الإيرانيون تحقيق المصالح المشتركة بين البلدين من خلال سلسلة متكاملة من الصفقات بالكشف عن أكثر من 400 ألف وثيقة على موقع “ويكيلكس”، فشلت إيران في خديعة العالم أجمع بأنها تدافع عن الإسلام، وأنها أكبر المناوئين لأميركا وإسرائيل في المنطقة. طبقاً لهذه الوثائق كانت إيران اليد اليمنى لأميركا في حربها على أفغانستان والعراق، والصديقة الحميمة لإسرائيل في دعم اقتصادها وتجارتها.

وبصدور كتاب “التحالف الغادر” للكاتب الإيراني الأصل “تريتا بارسي”، اكتشف العالم أجمع حقيقة العلاقات الحميمة والاتصالات السرية، التي تتم خلف الكواليس بين إسرائيل وإيران وأميركا، والتي تبدو ملتهبة على السطح ودافئة خلف الستار في سبيل تحقيق المصلحة المشتركة، التي لا تعكسها التهديدات النارية بينها.

يُعَدُّ “تريتا بارسي” من أهم الخبراء في مجال العلاقات الإيرانية الأميركية والجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، فهو باحث إيراني المولد، يحمل الجنسية السويدية ويعيش في أميركا بعد أن حصل على الدكتوراه في السياسة الخارجية من كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة “جونز هوبكنز”، ويعمل حالياً أستاذاً للعلاقات الدولية في الجامعة، ورئيساً للمجلس الوطني الإيراني الأميركي.

في مقدمة كتابه الشهير، أوضح “تريتا بارسي” أن إيران وإسرائيل ليستا في صراع أيديولوجي، كما يتخيل الكثيرون، بقدر ما هو نزاع استراتيجي قابل للحلول، والدليل على ذلك عدم لجوء أي من الطرفين إلى استخدام القوة ضد الآخر أو تطبيق ما يعلناه جهاراً في تصريحاتهما العدائية. كما كشف الكاتب عن الاجتماعات السرية العديدة التي عقدت بين إيران وإسرائيل في عدة عواصم أوروبية، اقترح فيها الإيرانيون تحقيق المصالح المشتركة للبلدين من خلال سلسلة متكاملة من الصفقات. ويضيف الكاتب: “أن المسؤولين الإيرانيين وجدوا فرصتهم الوحيدة لكسب الإدارة الأميركية من خلال تعضيد العلاقة الإيرانية الإسرائيلية ومساعدة أميركا لغزو العراق وأفغانستان، وذلك مقابل عقد صفقة متكاملة تنهي مخاوف الأطراف الثلاثة”.

من خلال هذه الصفقة اقترحت إيران وثيقة “خارطة طريق”، التي حملها الوسيط السويسري “تيم جولدمان” إلى الإدارة الأميركية، وتناولت برنامج إيران النووي وسياستها تجاه إسرائيل، ومحاربة تنظيم القاعدة. كما عرضت الوثيقة السرية إنشاء ثلاث مجموعات تفاوضية مشتركة بين إيران وأميركا بشأن أسلحة الدمار الشامل والإرهاب والأمن الإقليمي، والتعاون الاقتصادي. ولتوفير الاطمئنان لأميركا تعهدت إيران في وثيقتها بعدم تطوير أسلحة الدمار الشامل، والالتزام بشروط الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والضغط على الفصائل الفلسطينية لإيقاف عملياتها الفدائية ضدّ قوات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

المفاجأة الكبرى في الوثيقة الإيرانية كانت تتمثل في استعداد إيران للاعتراف بإسرائيل كدولة شرعية، الذي سبّب إحراجاً لصقور البيت الأبيض بزعامة نائب الرئيس الأميركي “ديك تشيني”، ووزير الدفاع الأميركي السابق “دونالد رامسفيلد”. وتوصل “ريتا بارسي” في كتابه إلى أنّ إيران ليست خصماً لأميركا وإسرائيل، ولا تشكّل خطراً عليهما.

تزامن صدور كتاب “التحالف الغادر” مع اعترافات صحيفة “يدعوت أحرنوت” الإسرائيلية، التي أكدت على أن: “حجم استثمارات الشركات الإسرائيلية داخل الأراضي الإيرانية فاق 30 مليار دولار أميركي، وسط تعاون اقتصادي وتجاري غير مسبوق بين إيران وإسرائيل، تقوده أكثر من 200 شركة إسرائيلية، معظمها تستثمر في مجال الطاقة داخل إيران”. من أهم هذه الشركات مجموعة “سامي عوفر” الإسرائيلية، التي وضعت على لائحة العقوبات الأميركية لبيعها ناقلات شحن النفط والغاز لإيران، وذلك على الرغم من صدور قانون “الكنيست” في 2008 الذي يحظر على الشركات الإسرائيلية القيام بعلاقات تجارية مع إيران.

كما اعترفت الصحيفة بوجود نحو 200 ألف يهودي إيراني في إسرائيل وأن لهم نفوذا واسعا في التجارة والأعمال والمقاولات العامة والسياسة، ونفوذا أكبر في قيادة الجيش الإسرائيلي. وأشارت الصحيفة: “أن يهود إيران في إسرائيل يتلقون تعليماتهم من مرجعهم الأع‍لى الحاخام الأعظم “يديديا شوفط”، المقرب من حكام إيران ويتمتع بعلاقات حميمة مع قائد فيلق القدس الإيراني الفريق “سليماني”. وأضافت الصحيفة أن: “حلقة الوصل بين إيران وحاخامات اليهود داخل إسرائيل وأميركا هو حاخام إيران “اوريل داويدي”، وهو أحد المقربين من المرشد الأعلى “خامنئي”.

أما في كندا وبريطانيا وفرنسا فيوجد اليوم 17 ألف يهودي إيراني مهاجر، يملكون شركات نفطية كبرى وشركات تداول الأسهم، ومنهم أعضاء في مجلس العموم البريطاني والبرلمان الكندي. وفي أميركا يزيد عدد اليهود الإيرانين عن 13 ألف مهاجر، ويشكلون رأس الحربة في اللوبي اليهودي، ومنهم أعضاء في الكونجرس ومجلس الشيوخ.

وفي إيران وصل عدد اليهود في الشهر الجاري إلى 31 ألف يهودي، يتواصلون بأقاربهم في إسرائيل من خلال كبار حاخامات اليهود الإيرانيين المهاجرين من “أصفهان”، الذين لهم نفوذ واسع داخل المؤسسات الدينية والعسكرية الإسرائيلية، ويرتبطون بإيران عبر حاخام معبد “أصفهان”. من أهم يهود “أصفهان” المهاجرين إلى إسرائيل وزير الدفاع الإسرائيلي “شاؤول موفاز”، الذي يعتبر من أشد المعارضين لتوجيه ضربات جوية لمفاعلات إيران النووية، وكذلك الرئيس الإسرائيلي “موشيه كاتساف”، الذي تربطه علاقات ودية وحميمة مع المرشد الأعلى وقادة الحرس الثوري الإيراني.

على إيران أن تعلم بأن خديعتها الكبرى لن تنطلي بعد اليوم على عالمنا الإسلامي، ففي الوقت الذي يتواجد في طهران فقط أكثر من 200 معبد يهودي، فإن إيران لا تسمح لأهل السنة، الذين يفوق عددهم عن مليون ونصف مواطن إيراني بالصلاة في مساجدهم. وعلى إيران أن تقتنع اليوم بأن ألاعيبها في العراق وسورية ولبنان واليمن أصبحت في عصر العولمة مقروءة ومكشوفة تماماً أمام شعوبنا العربية.

 

* أستاذا زائرا في جامعة لندن/ “الوطن” السعودية