الرئيسية / وجهات نظر / المغرب والجزائر.. علاقة إخوة تتجاوز الحدود
355عبد-اللطيف-وهبي

المغرب والجزائر.. علاقة إخوة تتجاوز الحدود

حز في نفسي كثيرا ذلك النقاش الذي دار بالبرلمان المغربي حول موضوع إطلاق أحد أفراد الجيش الجزائري الرصاص على مواطن مغربي، خاصة أننا نسينا أو تناسينا آلام جريح لا يزال يعاني بيننا نفسيا وماديا من جراء الإصابة البليغة ولعل ضجيج الإخوة كان أنكى.
كان الحدث مؤلما، ليس لأن الضحية مواطن بريء، لكن لأن الفاعل أخوه، فالموضوع أكثر ألما والرصاصة صدرت عن أخ له، فنحن والجزائر تجمعنا علاقات الدم قبل كل شيء، وأنا أعرف جيدا الشعب الجزائري، عاشرته في لقاءات عدة وزرته في لحظات حميمية؛ شعب على الفطرة وقريب من القلب، فحدة طبع الجزائري ناتجة عن صفاء طويته، ومآسي الاستعمار علمته أن يكون حذرا متوترا على الدوام قابلا لردود فعل ظرفية إلى درجة الانفجار. كل مرة التقيت بهم يسألونني بحزن: لماذا يريدون أن يفرقوا بيننا؟ كنت أجيب مبتسما: لن يفلحوا لأن بيننا وبين الشعب الجزائري أواصر لا تنقطع أبدا، روابط صنعتها الجغرافيا والقدر، وصنعها التاريخ في لحظات تلاحم عبر عصور عدة.
وأنا مدرك أنه ليس في الحدث الأخير ظالم وضحية، بل هناك أخطاء وإقفال للحدود وتبادل لخطابات العنف اللغوي، التي خلقت نوعا من التوتر أنتج رصاصة غبية. ولو أبصرت عيني الضحية لاعتذرت كما قال أحدهم، لذلك أرجو أن توقد المأساة نار حنان الأخوة، أتمنى أن تكون الدماء التي سالت بداية مرحلة جديدة مع الجزائر، فمن منح الحق للجزائر أن تقفل حدودها، ومن منح الحق للمغرب أن يفتح حدوده، لأنه من وضع الحدود أصلا بين الأخ وأخيه؟ وبين هذا وذاك علاقات لا يمكن أن يترك مجال تنظيمها للقانون الدولي ولا للأصوات التي تطالب بالدفاع الشرعي، ولا حتى اللجوء إلى الأمم المتحدة، فكيف يعفو الضحية عن أخيه وقد كان مخطئا؟
يتابع المرء كل شيء ويتذكر يوليوس قيصر وقد أصابه الذعر عند رؤيته لأعز الناس يشارك في اغتياله، فتنهد قائلا من شدة الألم «حتى أنت يا بروتس». أمن أجل خلاف حول أراض أو حسابات سياسية يمكن أن يسترخص المرء دم أخيه ويرفع بروتس خنجره الغبي ويفتح الضحية صدره؟.. هل يشك المرء في أخيه أو حتى في ذاته؟ بأي حق نعلم أبناءنا هنا وهناك لغة الحقد والكراهية وأمهم واحدة بل ربهم واحد ونبيهم واحد، وأمازيغيتهم واحدة وعربيتهم واحدة؟ من يفرق بين اثنين يشكلان واحدا؟
إن المصاب كبير، لكن دعونا نحوله إلى خطأ من أجلنا جميعا، لنغني جميعا ما نملكه جميعا، نمسح دموع الثكلى ومعاناة الإخوة ونعانق الجريح ونمد أيدينا لمن هم منا أو نحن منهم. إذا أصابك أخوك برصاصة على خدك الأيسر فأدر له خدك الأيمن، فالخد وجد للقبل وليس للرصاص. نتصالح، نتعايش، لنصنع مستقبلا لأطفالنا، علنا نبني جزيرة آمال لأهلنا، فأحلامنا مشتركة، تنبع من تمازج دمائنا. حاول الآتي من وراء البحر أن يفرقنا ونحن لا يمكن أن نعيش إلا بعضنا ببعض.
دعونا نوطد جسورا صنعها أسلافنا نلغي بها خلافاتنا السياسية أو حتى حساباتنا الترابية والحدودية. دعونا ننس الانتقام من أوهام ننسبها بهتانا للتاريخ. وكيف يجوز ذلك وهو نفسه التاريخ الذي صنعه شعبانا بسلبياته وبإيجابياته وبجماليته وعيوبه؟ لا خيار لنا سوى أن نلتقي وأن نتعايش ونعانق بعضنا بعضا على نحو أبدي.
أود أن أجالس شعبا لن تفصلنا معه حدود وهمية، أو حتى خلافات سياسية ستذوب حتما في نهر الشغف الأخوي، فأنا جزائري لأني مغربي، والجزائريون مغاربة لأنهم أهلي وعشيرتي.
دعوني أتطاول على من يقررون في مصير شعبينا، قد يكون المصاب جللا لكن الله غفور رحيم. قد تكون الرصاصة خطأ لحظة لكن الضحية ابننا جميعا. فلمن أشتكي إخوتي من ذاتي وكل الجزائريين أحبتي وكل المغاربة يدركون أن قدرنا وقدر الجزائريين أن نعيش معا.. أن نغرس في بعضنا جذور الحياة، لأن كلينا ينصهر في واحد؟ وأرجو أن نفكر بقلوبنا وبذاكرة تاريخنا لا بلحظات عصيبة صنعتها التوترات والحسابات الضيقة.
كيف نصدر قرارات سياسية كبرى والضحية ليس سوى أخي الفاعل؟ فالرصاصة جرحت الضحية، لكن قلب الفاعل هو الذي جرى دما، وكأن الرصاصة آتية من مكان بعيد وحرض على إطلاقها من فقدوا ذاكرة التاريخ والجغرافيا وعبق الدم المشترك، والضحية ينظر إليها وهي متجهة نحوه اعتقدها وردة من أخيه ولم يرها مصدر شر.
فلا تخرجوا السيوف من أغمدتها، فكلاهما ضحية عناد لفظته مزابل السياسة. دعونا ننظر للأشياء الصغيرة بعيون شعبينا الكبيرة بسعة الحلم، وأنا متأكد أن الفاعل يسأل عن أخيه مع كل نبضة قلب، وأن الضحية حين استيقظ قال صارخا هو أخي فلا تعتدوا عليه. هي لحظة توتر وانفلات، إبهام غبي أخطأ الزناد، هو مني ودمائي دماؤه سالت منا، وكلانا جزء من بعضنا. فالذين يرسمون المنازعات ويوزعون الاتهامات يدركون أن أكبر فاجعة هي حين يصيب الأخ أخاه في قلبه وهما قلب واحد.
يا قوم: لا أريد سماع صوت الرصاص وآهات الثكلى.. أريد زغاريد الأعراس وابتسامات الأطفال، وأوزع ورود الياسمين والأركان.

* نائب رئيس مجلس النواب المغربي/”الشرق الأوسط”