الرئيسية / وجهات نظر / الديكتوقراطية: موريتانيا نموذجًا
6ba53fe530e7c5dc18d5e5992dad0740

الديكتوقراطية: موريتانيا نموذجًا

خلال العقود الستة الماضية، عرفت إفريقيا أكثر من مائة انقلاب أومحاولة انقلاب، وظل لواء الإضطراب السياسي فيها معقودا لدول عربية (موريتانيا، جزر القمر، والسودان).
ولم تكن الجيوش تعدم مبررا للإستيلاء على السلطة فى أغلب دول العالم الثالث، تارة بحجة إخفاق الأنظمة المطاح بها (مدنية كانت أو عسكرية) فى تحقيق ما وعدت به شعوبها من التنمية والرخاء والحرية،وتارة أخرى فى سياق صراع بين الأجنحة العسكرية، عندما يصل عسكريون غير مؤهلين إلى سدة الحكم، فيتصيد رفاقهم “الأكثر أهلية” أول سانحة للإطاحة بهم.
إلا أن الطموح الشخصي لبعض العسكريين، وعدم ثقتهم فى قدرة المدنيين، أيا كانوا، على تحمل المسؤولية، كان السبب الرئيس فى أكثر الإنقلابات.
وقد جرَّبتْ موريتانيا حظها مع هذه الإحتمالات الثلاثة، ومع ثمانية رؤساء (سبعة عسكريين ومدني واحد، مع الإشارة إلى تولي رئيس مجلس الشيوخ الراحل، با امباري، رئاسة الدولة بالإنابة لفترة وجيزة،إثر الإطاحة بالرئيس المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله).
وخلال الثلاثين سنة الأخيرة، و باستثناء فترة حكم الرئيس معاوية من 1984 إلى 2005، ومأمورية الرئيس عزيز الأولى، فإن موريتانيا تحطم الرقم القياسي فى عدم الإستقرار السياسي،بمعدل رئيس جديد كل عام ونصف.
وهي، فى هذه الحلبة السيئة الصيت ،تتقدم على دول عربية وإفريقية تُعتبر الإنقلابات وثورات القصور فيها رياضة وطنية بامتياز.
و قد ظل الوعد بـــــ”الديمقراطية” الثابت الأبرز فى خطابات العسكريين الذين تعاقبوا، بعنف أو بسلاسة، على حكم موريتانيا،طيلة العقود الثلاثة الماضية.
لكنهم، وهذا البعد الأهم فى الإشكالية، ما كانوا ليحصلوا علىى تقبُّل الشعب لانقلاباتهم، وتعلقه المتكرر بسراب وعودهم، لولا استقالة النخب المدنية، التي تربعتْ، فى بعض الحالات، على قمة التمالئ مع العسكر وتسويق سراب الديمقراطية الإنقلابية.
و لم تستشرف تلك النخب مآلات تناوب العسكر على السلطة، و إنما تنكرت لواحد من أهم مبادئ الحكم،وهو أن الجيوش تنشأ لضمان وحماية الوحدة الوطنية والإستقرار الضروري للتنمية، و ليس لقيادة العملية السياسية والوصاية عليها إلى الأبد.
لقد كانت الأذرع المدنية للإنقلابات فى موريتانيا مسؤولة بدرجة كبيرة عن إيهامنا، كل مرة، أن التاريخ يبدأ مع كل انقلاب جديد، وأننا ندشن معه عصر النهضة، ونودع عصر الظلمات إلى غير رجعة.
فهل انخدعت تلك النخب وخدعتنا معها؟
إن عليها التوبة النصوح إلى الله فى كلتا الحالتين، و أشهد الله وأشهدكم أنني أول التائبين من جريرة دعم أية ديمقراطية تقوم على أسنة الرماح.
إن الجندية،وهي فى الصميم مهنة شجاعة ونبيلة، تتعارض مع الحوار، و المطارحة الفكرية، و قبول الرأي الآخر، مادام أساسها الطاعة العمياء، وفق قاعدة عسكرية معروفة: “القائد دائما على صواب”.
ولقد أثبتت التجربة فى موريتانيا أن حلم الشعب فى ديمقراطية الدبابات يولد مع البيان رقم1 ويتحطم على صخرة ممارسة الجيش للسياسة.
فالمرحلة التي تتلو كل انقلاب جديد، تضع على مائدة الشعب مقبلات “شهية” مثل “الغيرة على المصالح العليا للوطن”، و” إنقاذ البلاد من نظام بائد وفاسد، أهلك الحرث والنسل”.
وكلما أبدى الإنقلابيون “زهدا” فى السلطة، وحددوا موعدا قصيرا لإعادتها إلى المدنيين، كان حظهم أوفر فى التغلب على الرفض الخارجي لـــ”ثوراتهم” المتكررة، و فى كسب دعم الطبقة السياسية المحلية الحالمة بأنها ستتسلم السلطة منهم فى أقرب الآجال.
والمفارقة أنه ما إن تستتب الأمور للنظام الإنقلابي حتى يبدأ دورة حياة جديدة، يتحلل فيها من أنواطه ونياشينه، و يستطيب هتافات الجماهير التي تسُوقها النخب المدنية إليه ، فتؤلهه بأناشيد الدعم، وملتمسات المساندة، وفتاوى وجوب طاعة ولي الأمر.
“أقلام” الموريتانية