الرئيسية / وجهات نظر / حظوظ حركة «النهضة» التونسية في الانتخابات التشريعية
3d2c02f54fcad9d102cd7dbc5da2a295

حظوظ حركة «النهضة» التونسية في الانتخابات التشريعية

الانطباع العام، أو لنقل ما يتداوله التونسيون سرا وجهرا، يتمثل في القول إن حظوظ حركة «النهضة» في الانتخابات البرلمانية القادمة ستشهد تراجعا ملحوظا، أي أنها، حسب الكثيرين، لن تفوز بالأغلبية النسبية كما حصل في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2011.
فهل يستند هذا الانطباع أو هذه التوقعات إلى معطيات موضوعية؟ وإلى أي حدّ تبدو دقيقة وغير قابلة للدحض؟
نطرح هذا السؤال تحديدا؛ لأن مسألة حظوظ حركة «النهضة» التونسيّة في الفوز في الانتخابات البرلمانية التي ستعقد يوم 26 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، هي حظوظ لها ما يُضعفها من جهة، وما يُقويها من جهة ثانية، الأمر الذي يزيد من صعوبة الحسم في هذا الموضوع.
فعلى مستوى طبيعة التجربة التي خاضتها حركة «النّهضة» في الحكم، يبدو الانطباع الاجتماعي العام ليس إيجابيا، باعتبار الصعوبات الاقتصادية وخصوصا التساهل في المسألة الأمنية وعدم القدرة على الاستشعار المبكر بمؤشرات الإرهاب، من ذلك أن الاغتيالات السياسية وقعت في فترة حكمها، إلى جانب التهاون في ملف السلفيين التكفيريين، واعتبارهم فقط يبشرون بثقافة مختلفة ولا يهددون الأمن العام.. كل هذه الأخطاء حملت توقيع حركة «النهضة».
من جهة ثانية، تساهلت حركة النهضة أثناء حكمها مع حركة «أنصار الشريعة» وفوتت فرصا عدّة للقبض على زعيمها المناصر اليوم لتنظيم «داعش».
ويمكن القول إن الإخفاق الأكبر هو الإخفاق الأمني الذي فسرّه الكثيرون لا فقط بحداثة تجربة حركة «النهضة» في الحكم وممارسته، ولكن أيضا بوجود نوع من التعاطف الآيديولوجي مع هذه الجماعات.
لذلك، فإن الانطباع المهيمن على غالبية غير «النهضويين» ينص على أن حركة «النهضة» مسؤولة عن الأخطار الأمنية والتهديدات الإرهابية التي تعرفها تونس منذ مدة.
كما هناك من يرى أن حظوظ حركة النّهضة ستتأثر سلبا بتداعيات سقوط حركة الإخوان في مصر وتصنيف «الإخوان» جماعة إرهابية. وهي في الحقيقة قراءة تبدو تعميمية ولا تحفل بخصوصية حركة النّهضة وما قطعته من خطوات في نهج الاعتدال. ولعل دستور تونس الجديد يعد وثيقة تاريخية تعكس، على الأقل، ما أظهرته هذه الحركة من مرونة في قضايا حساسة جدا ذات صلة بالعمق الآيديولوجي للحركة. كما لا يفوتنا أن هذه الخطوات ذات المنحى الاعتدالي، هناك من يتعامل معها بريبة وتوجس، باعتبار أنها نتاج ضغط سياسي وليست وليدة مراجعات فكرية نقدية.
كذلك يجب ألا ننسى أن حركة النهضة اضطرت إلى التنازل عن شرعيتها في الحكم من خلال تقديم السيد علي العريض، أحد أبرز قيادييها، استقالة الحكومة التي كان يترأسها. وهي نقطة وإن اعتبرتها حركة «النهضة» شجاعة وطنية وانخراطا في مفهوم الوفاق السياسي، إلا أنها أيضا يمكن اعتبارها دليل فشل ربما يُؤثر على حظوظها في تجديد الثقة.
وفي هذه الجزئية، لا بد من الإشارة إلى أن القاعدة الشعبية لحركة «النهضة» لم تكن موافقة على استقالة حكومة علي العريض والتنازل عن الشرعية الانتخابية، وكانت أيضا ضد موافقة كتلة النهضة في البرلمان على بنود عدة، هي في تعارض مع مرجعيات الحركة ومشروعها، وهو ما يعني أن جزءا من قواعد حركة النهضة ذاتها ربما يمتنع عن التصويت في هذه الانتخابات المقبلة.
إذن كما نلاحظ، كثيرة هي المعطيات التي تُقلل من حظوظ فوز حركة النّهضة بالأغلبية النسبيّة. ولكن مع ذلك، فإننا نشير إلى توفر عوامل يُمكنها أن تقوي من حظوظها، وأهمها السلوك السياسي الواقعي والرصين الذي انتهجته حركة النهضة في اللحظات السياسية الحرجة التي مرت بها تونس، حيث لم «تتهور» سياسيا، كما أن رئيسها السيد راشد الغنوشي لم ينفك عن ممارسة ما وصفته جريدة «المغرب» التونسية بالدبلوماسية الحزبية التي من أهم مظاهرها زياراته المتكررة والرفيعة المستوى إلى الجزائر، مع ما يعنيه ذلك من حرص الحركة على دعم علاقاتها مع أطراف استراتيجية.
من ناحية أخرى، هناك عامل قوي جدا يمكن أن يغنم به رصيد حركة النهضة، وهو فشل الأحزاب السياسية التونسية في القيام بتحالفات وإيثار الكثير خوض تجربة اللوائح المستقلة، ويعني ذلك أن كل مؤشرات تشتت الجهود والقوى في المشهد السياسي التونسي ستكون من ناحية التصويت الانتخابي في صالح الأحزاب الكبرى، وهي حاليا تكاد تنحصر في حركة النهضة وحركة «نداء تونس»، أي أننا أمام نوع من الاستقطاب الثنائي.
وإذا ما وضعنا في الاعتبار أن التغلغل في الجهات هو مفتاح الفوز في الانتخابات التشريعية، فإن هذا المفتاح يبدو حاليا – وظاهريا على الأقل – في حوزة الحركتين المشار إليهما.
لذلك، فإن حظوظ حركة «النّهضة» هي، على الأرجح، إلى التناصف في الأغلبية النسبية أقرب.
“الشرق الاوسط”