الرئيسية / وجهات نظر / الأردن والمغرب: مملكتان ونظامان!
08f13f10942f29b18bb712fc0d972665

الأردن والمغرب: مملكتان ونظامان!

ما قاله الزميل العزيز جمال الخاشجي بالنسبة لتجربة الأردن والمغرب التي يجب أن تحتذى لتجنب باقي ما تبقى من أنواء «الربيع العربي» شهادة يجب تقديرها والإعتزاز بها ويجب الإشارة إلى أن هذه الشهادة تعكس آراء الكثيرين من الأشقاء العرب.. والأصدقاء في العالم كله الذين ساد إعتقاد لديهم ذات يوم مع بدايات هذه الزلازل المدمرة التي لا تزال مستمرة ومتصاعدة بأن هذا البلد ،الذي هو بحجم بعض الورد والذي يعاني من أوضاع إقتصادية في غاية السوء والخطورة ومن مديونية تجاوزت الخطوط الحمراء ووصلت إلى أرقام فلكية، سيكون أول القلاع التي ستنهار وأول الحصون التي ستسقط.
كنت قبل بضعة أيام في المغرب وتحديداً في مدينة طنجة التي عرفتها إجتماعياً من خلال رواية محمد شكري :»الخبز الحافي» وخلال تجوالي في أسواقها التاريخية القديمة التي تشبه أسواق الأندلس في عهد دولة الأموي عبد الرحمن الداخل استوقفني أكثر من عابر سبيل من الذين ،كما يبدو عرفوني من خلال شاشات الفضائية، للسؤال عن سرِّ صمود الأردن.. وليقولوا لي أن قلوبهم مع الأردنيين وأنهم يدعون للملك عبد الله بن الحسين بطول العمر وبالتوفيق وبإستكمال الطريق الذي كان سلكه منذ البدايات.
وكنت قد تقدمت إلى «موسم أصيلة» ،الذي شاركت فيه هذا العام للمرة الثالثة بورقتين: الأولى حول أسباب صمود الأردن في وجه عواصف «الربيع العربي» العاتية والثانية: حول ما يمكن أن يترتب على هذا الربيع من تحولات تاريخية قريبة وبعيدة ولقد قلت في هاتين الورقتين مما قلته أن هناك تشابهاً كبيراً بين المملكة الأردنية الهاشمية وبين المملكة المغربية بالنسبة لهذا الأمر فكلا النظامين الملكيين التقيا مع مطالب شعبيهما ليس في منتصف الطريق وإنما في بدايتها وكلا النظامين تجنبا العنف وكلا «العاهلين» إزدادا حضوراً مستمراً في أوساط شعبيهما وكلا النظامين أيضاً تعاملا مع المعارضة من موقع «التكامل» ومن موقع تضييق مساحات الإختلاف وتوسيع مساحات اللقاء والتفاهم.. وإنَّ الوطن للجميع وحرية التعبير عن الرأي مصانة ومقدرة.
وخلال اللقاءات الجانبية في هذا «الموسم» ،الذي بعد ستة وثلاثين عاماً جعل الأنظار تتجه من الشمال إلى الجنوب بعد اتجاهها لردحٍ من الزمن من الجنوب إلى الشمال، كما قال وكرر القول الصديق المبدع وزير خارجية المملكة المغربية الأسبق محمد بن عيسى، فقد انشغلت في حواراتي ونقاشاتي بالفرق بين «إخوان» المغرب و»إخوان» الأردن وحيث أن الحركة الإسلامية المغربية حرصت على استقلاليتها الإيجابية تجاه التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في حين أن الحركة الإسلامية «الأردنية»!! لا تزال فرعاً من هذا التنظيم رغم كل تقلبات العهود الماضية.. وحيث أيضاً أن الحركة الإسلامية المغربية أعتبرت نفسها جزءاً من النظام المغربي وهي تصرفت على هذا الأساس عندما أصبحت في الحكم وعندما كانت خارجه.. بينما أن الحركة الإسلامية الأردنية ومع أنها ربتْ و»تربربت» في أحضان هذا النظام فإنها بقيت تحرص حرصاً شديداً على إظهار إبتعادها عنه وبقيت تحرص على أن لها هوية أخرى غير الهوية الأردنية فأعضاء هذه الحركة «يقسمون» على الطاعة والولاء للمرشد الأعلى وليس للأردن.
لقد صمدت المملكة الأردنية الهاشمية ولقد صمدت المملكة المغربية والفرق ،هذا إذا كان هناك فرقٌ، هو أن الأردن كان دائماً وأبداً في قلب العاصفة وأنه أصبح ينام ويصحو على هدير المدافع وأصوات الإنفجارات منذ أن غشا الربيع العربي هذه المنطقة والشرق الأوسط كله وأنه استقبل بدون أي مِنَّةٍ ولا تذمر أكثر من مليون ونصف المليون من الأشقاء السوريين الذين هم منا ونحن منهم وأكثر من سبعمائة ألف من الأشقاء العراقيين.. وكل هذا بالإضافة إلى إحتضانه للأشقاء الفلسطينيين بعد نكبة عام 1948 وبعد ذلك وإستضافته لأكثر من نصف مليون من الأخوة المصريين الذين لهم الشكر الجزيل لأنهم شاركوا في بناء هذا البلد على مدى نحو أربعة عقود وأكثر.
الآن يُعتبر الأردن حجر الزاوية في إستقرار هذه المنطقة ويعتبر رقماً رئيسياً في معادلتها الأمنية والسياسية وهذا ينطبق على المغرب بالنسبة للمنطقة المغاربية وبالنسبة أيضاً لشمال وغرب القارة الإفريقية.. وهنا فإن ما يجب التوقف عنده طويلاً وملياً هو أن الدولتين العربيتين ،سوريا والعراق، اللتين حكمهما حزب شعاره :»أمة عربية واحدة.. ذات رسالة خالدة» قد انهارتا وبسرعة كل هذا الإنهيار وتمزقتا كل هذا التمزق.. وتشظيتا على أسس مذهبية وظائفية.. فهل يعقل هذا؟!.. إن العبرة بالنسبة لهذا الأمر ليس بالشعارات والكلام المنمق الجميل.. وإنما بالممارسات.. وحقيقة أنه ثبت أن صخب الشعارات يدل على توجهات مريضة وأن تواضعها يدل على إتجاهات صحية وصحيحة ونظيفة.
“الرأي” الأردنية