الرئيسية / وجهات نظر / ماذا بعد الحرب؟
46e37ace68390fccbadd599e6bf27a20

ماذا بعد الحرب؟

توقف مسلسل حرب الجرف الصامد، بمحطاته الثلاثة : 1- القصف المركز، 2- الإجتياح المحدود، 3- الإغتيالات المنتقاة، مساء الثلاثاء يوم 26/8، بعد خمسين يوماً من الصمود الفلسطيني البارز، والقصف المتبادل، ولكن كل منهما إدعى أنه حقق الإنتصار على عدوه.
إسماعيل هنية، رئيس الوزراء الأسبق، ونائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خاطب مؤيديه الذين تم حشدهم في ساحة المجلس التشريعي، وهنأهم بالإنتصار، بينما رئيس وزراء حكومة المشروع الإستعماري الإسرائيلي، نتنياهو، خاطب جمهوره، وعدّد لهم عناوين الإنتصار على العدو ” الفلسطيني “، بينما ذهب خالد مشعل إلى القول من قطر، إلى أن كتائب القسام، بما صنعته، تمثل نواة جيش الدفاع والتحرير الفلسطيني، وأن معركة غزة من يوم 8 / تموز حتى 26/ أب، ” ضربت نظرية الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، كما لم تُضرب من قبل ” ( هكذا بكل بساطة )، ناسياً الإنتفاضة الأولى، والإنتفاضة الثانية، وحروب لبنان التي هزمت حقاً جيش الإحتلال وأرغمته على ترك لبنان، وحرب أكتوبر، ومعركة الكرامة.
المقاومة الفلسطينية، وجهت ضربات موجعة للعدو الإسرائيلي، من خلال عاملين : أولهما عدد الجنود الذين قتلوا في هذه الحرب ( 64 عسكرياً ) مقارنة مع الحربين السابقتين 2008 و 2012، وثانيهما أجبرت سكان المستعمرات والتجمعات الإسرائيلية المحاذية لقطاع غزة على الرحيل من الجنوب نحو الوسط والشمال، وأصبح هؤلاء أحد أدوات الضغط على حكومة نتنياهو لقبول وقف إطلاق النار.
وجيش الإحتلال وجه ضربات موجعة لشعبنا الفلسطيني في قطاع غزة، أدى إلى إرتقاء أكثر من ألفي شهيد، وأكثر من عشرة الاف جريح، نصفهم سيحمل إعاقات مستديمة، وتدمير أكثر من عشرين الف منزل، وتشريد أكثر من ربع مليون نسمة، بلا مأوى، شكلوا أداة ضاغطة على حركتي حماس والجهاد لوقف إطلاق النار، إضافة إلى عمليات الإغتيال التي إستهدفت بعضاً من قيادات القسام.
وإعتماداً على المعطيات، لا يمكن وضع قياسات متجانسة للحكم على النتائج، والقول الفصل أن المقاومة الفلسطينية، إنتصرت وهزمت العدو، مثلما لا يمكن التسليم أن العدو قد حقق إنتصاراً على المقاومة، التي ما زالت صامدة تقف على رجليها، إستعداداً لمواصلة السير على الطريق الكفاحي الطويل، حيث لا خيار سوى مواصلة الطريق، حتى يتم دحر المشروع الإستعماري الإسرائيلي وهزيمته، وإستعادة حقوق الشعب العربي الفلسطيني، كاملة غير منقوصة، وفق البرنامج التدريجي، متعدد المراحل، حق الحرية والإستقلال وفق القرار 181، وحق العودة وإستعادة الممتلكات وفق القرار 194.
في المؤتمر الصحفي المكرس للحديث عن الإنتصار سُئل نتنياهو : هل ستواصل المفاوضات مع حماس ؟؟ تجاهل السؤال ولم يجب بنعم أو بلا، بالقبول أو بالرفض، فإذا قال نعم فهو خرق للنهج الإسرائيلي المعادي لحركة حماس، ولفكرة الحرب نفسها التي أطلقها لتقليص نفوذ حماس وإضعافها، وإذا أجاب بالرفض فيكون مضللاً، فاقداً للمصداقية، فالواقع أنه يُفاوض حماس كما قال بن كسبيت المعلق السياسي في معاريف، ووصفها المعلق السياسي ناحوم برنياع في يديعوت أحرنوت على أنها محادثات تقارب مع حماس، مثلما سبق له وتوصل إلى تفاهمات القاهرة يوم 21/11/2012 مع حركة حماس، في عهد الرئيس السابق محمد مرسي، وها هو يُجدد التفاوض غير المباشر مع حركة حماس، كالسابق، عبر الوسيط المصري، الذي أصر على ذكر الأسماء بمسمياتها : وهي توافق إسرائيل على كذا، وتوافق حماس على كذا، وعلى السلطة الوطنية بقيادة الرئيس عباس أن تفعل كذا… الخ.
ولكن ما قيمة هذا الكلام، ومفرداته المحددة ؟ وما قيمة ذكر الأسماء بمسمياتها؟.
قيمة ذلك هو كسر الحواجز، ووضع الأطراف أمام مسؤولياتها، وحقيقة مواقفها بدون تضليل للجمهور الذي يتم إستغفاله، فالإسرائيليون لم يتعودوا بعد على أن حكومتهم اليمينية تفاوض حماس، وتقبل بها، مع أن ذلك ليس جديداً، فقد سبق وأن تنازلت حكومات رابين وشمعون بيرس ويهود براك للرئيس الراحل ياسر عرفات، فالتنازل ليس جديداً على الإسرائيليين، فهي حقوق فلسطينية سبق وأن تكيفت معها حكومات تل أبيب وقبلت بها، بدءاً من المطار، ومروراً بالصيد البحري العميق، إلى ممر العبور إلى الضفة، وإنتهاء بالميناء الذي وضع أبو عمار حجر الأساس لبنائه بتمويل أوروبي وياباني، فالمطالب التي تبناها الوفد الفلسطيني الموحد كما يتباهى خالد مشعل بها، ووافقت عليها القاهرة وغدت مطالب مشروعة على طاولة المفاوضات مع حكومة نتنياهو، ليست جديدة وليست تعجيزية، وسبق لإسرائيل أن وافقت عليها وقبلت بها، بإعتبارها حقوقاً فلسطينية غير قابلة للرفض من قبل الإسرائيليين، أو التقليل من قيمتها وأهميتها للفلسطينيين.