الرئيسية / وجهات نظر / الخلطة الأردنية – المغربية لعلاج «الربيع العربي»
270c6fbd7e7eb7c9e9a8ed63c513246f

الخلطة الأردنية – المغربية لعلاج «الربيع العربي»

أيها العربي المتشائم، لا تقصر نظرك على العراق وسورية، وأنهار الدماء والكراهية والتفتت فيهما، ولا على ليبيا التي استبدلت حريتها وخلاصها من الديكتاتور بفوضى وتخبط وتقاتل بين ثوار الأمس، ولا اليمن الذي ضيّع حكمته، إنما انظر إلى الأردن والمغرب، فهناك أمل، ومساحة للإصلاح تاهت أخبارها وسط ضجيج كل ما سبق.
هذان البلدان العربيان، غير النفطيين، كاد أن يصيبهما ما أصاب غيرهما من بلاد العرب خلال موجة الربيع العربي التي لم تنحسر بعد، ولكنهما استطاعا تجاوزها لا بالالتفاف على استحقاقاتها، أو تأجيلها، ولم يلجآ للقوة والبطش والأمن والمعتقلات، وإنما بتحويل الربيع وتظاهراته وغضبه إلى طاقة إيجابية، ومصالحة بين الحكم والشعب برفع راية الإصلاح وجعلها مطلباً مشتركاً يجمع الملك والمواطن.
الأردن والمغرب نموذجان يمكن احتذاؤهما لمن لم يفته القطار وما زال متماسكاً. من فاته القطار هي تلك الدول التي انهارت في جرف حرب أهلية كسورية، أو توشك أن تقع فيها كاليمن وليبيا، أو تفتت كالعراق، هذه الدول ما عاد يجدي معها إصلاح، وإنما تدخّل خارجي بقدر الضرر في كل منها، وكل ما طال إهمالها كلما تفاقم حالها، وطفح ضررها على جيرانها.
الدولة العربية المتماسكة هي تلك التي لا تزال بنيتها التحتية السياسية والاجتماعية سليمة، تتعرض أحياناً لهبات الربيع العربي القاسية، وأحياناً أخرى لنسماته الرقيقة كأنها تذكير للمؤمنين، ثم أنعم الله عليها بشعوب باتت تخشى الربيع بهباته ونسماته، فما رأته في الدول (أو الأنظمة) التي سقطت في امتحان الربيع جعلها تستبعد فكرة «الديموقراطية الغربية الكاملة» كاستحقاق تاريخي لمجتمعاتها يتوافق مع التطور وسنوات التحديث وانتشار التعليم. بات من الشائع أن تسمع في المجالس عبارة «مجتمعنا غير جاهز للديموقراطية» فتهتز الرؤوس بالموافقة، باستثناء مثقف صامت يجلس في ركن المجلس، يرمقه الحضور بالنظرات، يريدونه أن يقول بعض ما اعتادوا على سماعه منه، ولكنه يصمت، في داخله إنسان متفق معهم بعدما رأى وسمع وجرّب، ولكن كبرياءه تأبى إلا أن تجعله صامداً ولو بردّ فعل سلبي صامت. اقتنع أن «النظام العربي القديم» لن يحتمل جرعة كاملة من الديموقراطية، ولا تداولاً للسلطة، خصوصاً بعدما استعاد قوته وعافيته بعد هزة 2011 وصدمة سقوط الرؤساء الخمسة واحداً تلو الآخر.
إذاً لنضع «الديموقراطية الكاملة» جانباً، كوصفة إصلاحية تواجه عواصف الربيع العربي و«داعش» الذي غرس أنيابه في ظهره، فبدا منظر الاثنين معاً موحشاً، اختلط فيه ألم الربيع وغضب الثانية، فما عاد الناظر يفرق بين صراخهما.
ولكن لو عدنا إلى الوراء، واستمعنا جيداً الى مطالب الربيع العربي، عندما كان شاباً حالماً، من دون صخب «القاعدة» و«داعش»، ولا دوي البراميل المتفجرة، ولا صراخ المعتقلين وسياط السجانين، كانت المطالب تدور حول «حياة أفضل، وبعض من المشاركة السياسية» فيشعر المواطن بكرامته وحقه في وطنه.
هذا ما حصل في الأردن والمغرب، بل إن الدواء الأردني – المغربي لم يداوِ الربيع العربي فقط، بل حتى الإسلام السياسي الذي يتوجس منه النظام العربي القديم المحب للاستقرار خيفة، ففي الأول فتح له الملك المجال فأبى أن يشارك فانصرف عنه جمهرة من الناس، إذ اعتبروه مزايداً هارباً من المسؤولية. أكثر من أردني يقول، لا نريد خطباً نريد حياة أفضل، والحياة الأفضل تأتي بالمشاركة وتحمّل المسؤولية السياسية، اليوم تظهر قوى جديدة هناك باتت تشكل بديلاً شعبياً لـ «الإخوان المسلمين» الذين سيهمّشون أنفسهم أكثر إذا ما ضيعوا فرصة المشاركة في الانتخابات المقبلة التي ستسفر عن أول حكومة برلمانية في المملكة الهاشمية. هذا هو الخبر الجيد الذي تاه وسط أخبار العرب السيئة.
في المغرب حصل العكس، سبق ملكه نظيره الأردني في اعتماد «الحكومة البرلمانية». تحول الغضب الشعبي الموجّه ضد الحكم الذي كان يختصر في الملك وحكومته، إلى حكومة برلمانية اختارها الشعب فبات يتحمل هو مسؤوليتها لا الملك، وصادف أن فاز بإدارتها إسلامي، وكأن الجميع اكتشفوا بعضهم بعضاً، الملك، والشعب والإسلاميين، بل وأحبوا بعضهم بعضاً. اليوم العلاقات ممتازة بين العاهل المغربي ورئيس وزرائه الإسلامي، والشعب بات متمسكاً بالنظام، يحتج أحياناً على ظروف معيشية، ولكنه لم يعد «ثورياً» غاضباً. اختفت تماماً حدة التظاهرات التي شكلت المغرب الجديد بعد 2011.
سأختار عبارات تشرح هذا التحول المهم في هذين البلدين النموذجيين، الأولى صرّح بها عاهل الأردن الملك عبدالله الثاني الأسبوع الماضي: «إن المشكلات التي تواجهها المملكة الهاشمية ليست سياسية أو أمنية، بل اقتصادية وتنموية، وهي في مقدم أولوياتنا الوطنية». وعندما تكون الأولويات في بلد يزداد عدد سكانه مليوناً كلما انهار واحد من جيرانه، تكون التنمية هي الأولوية الحقيقية، والتنمية تحتاج إلى شراكة خبراء مسؤولين، ومحاسبة من خلال برلمان، لا إلى تفرد بالحكم. في الوقت نفسه اتفق الملك و«شركاؤه» على أهمية الاستقرار، فصوّت البرلمان بغالبية ساحقة الأسبوع الماضي على أن يكون تعيين قائد الجيش ورئيس الاستخبارات بيد الملك وحده، لا رئيس الوزراء المنتخب الذي سيعيّن بقية الحكومة بما فيها منصب وزير الدفاع المستحدث الذي يعد إدارياً.
ننتقل إلى البلد النموذج الآخر، المغرب، حيث افتخر عاهله، الملك محمد السادس الأسبوع قبل الماضي بأن بلاده تمكّنت من ترسيخ نموذجه الديموقراطي والتنموي، وأن بإمكانه الالتحاق بالدول الصاعدة، داعياً إلى التوزيع العادل لثمار النمو حتى لا يزداد الأغنياء غنى والفقراء فقراً، مشيراً إلى أن السنوات المقبلة ستكون حاسمة لتحصين المكاسب وتقويم الاختلالات.
فردّ رئيس حكومته عبدالإله بن كيران في كلمة أمام كوادر حزبه، بأن كلمة الملك بمثابة «تنويه بعمل حكومته التي تسير في اتجاه النهوض بالبلاد»، مشيراً إلى أن المغرب يعيش في جوٍّ من الأمن والاستقرار يسمح بمراجعة الذات والقيام بإصلاحات كبرى.
هذا التناغم الإيجابي بين ملك ورئيس وزراء منتخب، مع إنجازات حقيقية في البلدين (نسبة النمو في المغرب أفضل) مع تمتعهما باستقرار داخلي وسط عالم عربي يخوض فتناً قاتلة، يأتي كموسيقى رائعة لعربي متشائم. بالتأكيد ثمة أمل، ولكنه يحتاج إلى إصلاح يشعر به المواطن ويصل إليه. المهم أن يصل إليه ويشعر بأن حياته تتحسّن وأن كلمته تسمع.
* إعلامي وكاتب سعودي/ “الحياة” اللندنية