الرئيسية / وجهات نظر / هذه فلسطين، هذه غزة حيثما نظرتم!
cd8a8b5be675757c0f9a4a357cb9b362

هذه فلسطين، هذه غزة حيثما نظرتم!

لم يحن الوقت لتحديد حجم الخسارة أو الربح بشمولية، كما أنه لم يحن الأوان لتقدير ما تم انجازه وما خسرناه بدقة، في محنة أهلنا في غزة الإباء والعزة، وصمودهم –صمودنا- الأسطوري الذي يرسم انتصارا حقيقيا في مواجهة أعتى آلة عسكرية في المنطقة، فلسنا مع التسرع والتسابق بإعلان الظفر أو الانتصار التام  أو الانجازات الكاملة، وكأننا في مسابقة أو احتفالية بين الفصائل، التي قاتلت ببسالة موحدة، ما يوجب عليها التروي، فالمشوار في أوله، وضرورة النقد والتقييم والبحث واجبة لغرض تمتين هذه الوحدة الميدانية الأولية، لتتجلى في نواة قيادة مشتركة أو جيش وطني بدلا من أن تذهب التضحيات سدى، ونظل ننظر للوحدة الوطنية بشكل نظري، دون خطوات حقيقية لا على الأرض ولا في الحقل السياسي.
لنتوقف قليلا ونفكر معا كفصائل، أليس من الأجدر أن نعيد تقييم أداءنا الذي لا شك أنه حقق أهدافا ميدانية ونفسية وحقق أهدافا إعلامية وسياسية، وفي المقابل كانت هناك خسائر، لكن هذا الأداء في جميع الأحوال لم يرتقى لمرحلة وحدة متماهية في “العصف المأكول” أو “البنيان المرصوص” أو “طريق العاصفة” في مواجهة العدو، وهي الأسماء أو العناوين الثلاثة المتباينة التي أطلقتها كل من حركة فتح وحماس والجهاد على العدوان الصهيوني على فلسطين وغزة.
إذا كنا نختلف حتى في العنوان، فهل نستطيع أن نتفق معا في إدارة الميدان غدا؟ دون سطوة أو هيمنة؟ ودون بغي من هذا أو ذاك؟! هذا هو التحدي الحقيقي القادم، وهذا هو الانتصار الحقيقي.
يجب أن نتقدم ثم نتقدم معا وسويا حتى النصر، فلا يجرؤ فصيل هنا أو هناك أن يخالف أو ينفرد أو يشذ، كما حصل في مراحل متعددة من حياة الثورة الفلسطينية التي من المتوجب أن تتعلم اليوم منها أن إطلاق رصاصة منفردة من فصيل مهما كانت أهدافها سامية تضر بالشعب كما تضر بالوحدة وتفيد الأعداء، كما حصل قطعا في فترات تواجد الثورة الفلسطينية في الخارج وعلى رأسها في لبنان.
إن مفهوم الوحدة المتجذر في فكر حركة فتح لم يمنع نمو النباتات الطفيلية في جسدها أبدا، كما لم يمنع البعض أن يستغل الشعار لمحاولة وأده، إلا أن الخط الغالب الذي سطره الفقيد الراحل القائد ياسر عرفات وصولا للرئيس أبومازن اعتمد تحقيق الوحدة في إطار من الرحابة وإن شابها أحيانا عدد من التكتيكات الاستبدادية، وهذا ما نجد له مثيلا اليوم بلا مواربة من المنحرفين في حركة فتح أو حماس أو غيرها.
إن تحدي غزة القادم هو تحدي الوحدة الوطنية فصائليا، فالشعب متوحد بالفصائل أوبغيرها، شئنا ام أبينا، والتحدي القادم هو ببناء النفوس وتنمية العقول، قبل بناء الجدران، فالناس قد عانت في حروب ثلاثة ما لم يعانيه الكثيرون، حتى تحطم  في بعضها جرأة النظر إلى الغد المشرق، فساد الظلام وعمّت السوداوية، وانتشر لدى البعض سرطان الخوار.
 في بناء النفوس المتوجب علينا خوض غماره، يجب أن نحلّق بأبناء شعبنا عاليا  فلا ينقطع لديهم الأمل ولا الرجاء ولا الحلم أبدا ، هذا الحلم الذي حاولت دبابات وصواريخ الصهاينة أن تنسفه.
 يجب أن تتحول غزة  كما كل فلسطين  إلى مكان رحب يستطيع فيه  كل الأطفال أن “ترتع وتلعب” دون مؤامرات أخوة يوسف، ويستطيع فيه كل الشباب أن يأخذوا بمفاتيح العقل فيحكمونها بالعلم قطعا، دون ظلاميات واستغباءات وخرافات هذا اوذاك.
غزة وفلسطين من الناحية الجماهيرية -وهذا الأهم- أمام تحدي الإنسان، الذي أثبت قدرته وجلده وصموده وثباته وعظمته تلك التي قُدّت من صخور العرب الكنانيين (الكنعانيين) أصحاب هذه الأرض التي تشبههم ويشبهونها، لذا فإن الأولوية يجب أن تكون لبناء أو ترميم ما صادره الاحتلال من مقاطع في نفوس وعقول وأرواح، واحلام وآمال الشباب العاطلين عن العمل، والأطفال الضاحكين الباسمين بذعر، الراغبين في مستقبل مفتوح وفضاء متسع بلا قنابل ولا موت ولا دمار يعبرون فيه عن مشاعر افتقدوها، هي مشاعر الحب والفرح والانطلاق بلا حدود.
إننا في غزة اليوم أمام تحدي كبير، فكما أنه من المتوجب أن ننفض الغبار عن بيوتنا فنرفع الأنقاض، وقد نعيد البناء وقد يتأخر فالعالم لا ينظر لنا كما نظن حيث اختلفت الظروف وجرى في النهر غير الماء، وعليه فإن البناء لبلدنا لن يتم إلا بأيدينا، فلا نتوهم أو نأمل من العالم الكثير، وما انتظارنا لهِبات العالم إلا تطويل لحالة البناء إن عقدنا العزم على ذلك.
 فهبّوا يا أبناء فلسطين في كل مكان لنصرة بلدكم واخوتكم وأتركوا المكاتب المكيفة والمظاهرات الرائعة في الشوارع التي أتت أكلها وكفى، واتركوا لوحة المفاتيح على حواسيبكم، وحرّكوا بطاقات الائتمان لديكم بدلا منها.
اتركوا الإطلالة الصباحية من خلال “الفيسبوك” وحربنا فيها التي فشلنا في كثير منها ونجحنا في القليل، اتركوها قليلا وتفضلوا اكفلوا يتيما أو ادعموا أرملة أو ساندوا عائلة مشردة، أو علّموا طالبة أو ابنوا بيتا أو جامعا أو مركزا ثقافيا او رياضيا ، أو على الأقل ساندونا بالدعاء وكفى الله المؤمنين شر القتال، لا بالشتائم والاتهامات والبُغض لبعضنا على حساب الآخر، ولا تجلسوا أسرى مصفّدين إلى النار تناضلون فقط عبر رِباط “الفيسبوك” واخواته، وكأنكم بالصوت العالي والكلمات النارية الحاقدة مارستم الجهاد العظيم، وأنت تسلقون أخوانكم-كلهم أو بعضهم- بألسنة حداد.
إن التحدي السياسي كبير والمفاوضات القادمة هي مفاوضات، حتى لو أسميناها محادثات تلطيفا وتخفيفا أو دلعا! وهي تحتاج منا الى التأمل، وتحتاج منا لإعادة النظر من جديد بالأهداف و بالآليات وشكل الصراع وادواته، وبخطتنا القادمة كما أشار الرئيس أبومازن الذي وعى كما القيادة الفلسطينية، أن ما قبل العدوان على غزة ليس كما بعده، ما يحتاج فكرا وسياسة وفعلا وحراكا وسراطية (استراتيجية) جديدة.
هذه غزة! التي لم تلقي بحملها على أحد، ولم تستجدي أحدا، ولم تشتم أحدا-عدا قلة منبوذة- ولم تفرض نفسها على أحد، ولم تُقصي أحدا، ولن تلوم أحدا أو تقرّعه، فكل يعمل على شاكلته.
 هذه غزة التي تقابلكم اليوم في أحلامكم بدماء أطفالها الأبطال، وتقابلكم اليوم بصمود عز نظيره، وبفدائية جُبلت بالثرى الطاهر، ما لا يمكن نسبه لهذا الفصيل أو ذاك، وإنما للكلّ الوطني الموحد، لأن حقيقة الفضل فيه لأبن غزة وخانيونس ورفح ودير البلح وجنين والخليل والقدس ورام الله وطولكرم في الوطن، وفي الشتات، ومع الفلسطينيين الجُدد الذين كشفوا عن انتمائهم مؤخرا، وهم شعوب أمريكا الجنوبية، كلهم سواء، لا نفرق بين أحد منهم، رغم اختلاف نوع وشدة وحجم الدمار والمعاناة.
إن غزة لا تنتظر أحدا كما كل فلسطين، التي لو انتظرت لاندثرت قضيتها، فالله قيض لها رجالا بواسل أشداء أخذوا المبادرة، وانطلقوا في العام 1965 في ظل ظلام النكبة الحالك فأضاءوا المشعل ورصفوا الطريق، لا حقين بالمناضلين ممن سبقوهم بالإيمان والجهاد، ومكملين المسيرة حتى اليوم، التي التحق فيها من التحق، علّه يستفيد من اخفاقات الثورة الفلسطينية قبل انتصاراتها فلا يتوه ولا يختال ولا يتوهم.
فلسطين اليوم على مفترق طرق فإما النصر النهائي حيث القدس فينا لا تموت، والأسرى بانتظارنا كما اللاجئين جميعا، وإما الحزن العميم والاندحار، وكل ذلك رهن بهذه القيادات-أو من يعقبها- التي منّ الله وحده عليها بالوعي بالمستجدات، وبوحدة الموقف طوال 50 يوما عصيبا من عدوان “المحرقة” النازية-الصهيونية ضد شعبنا من الخليل فالقدس ثم غزة.
 توقفوا وأنظروا جيدا فأنتم في حضرة الفلسطينيين، ليس لكم إلا أن تحترموا وحدتهم وصلابتهم ومقاومتهم وعنفوان شبابهم وأطفالهم، بل ونسائهم، وإياكم والفتنة والعبث والفرقة والنقيصة، شاهت تلك الوجوه.
سنعود حالمين، فصِلتُنا بالله صلة مباشرة، بلا وسيط من تنظيم أو شخص مطلقا، وهي صلة عامرة بالإيمان لم تنقطع، وسنعود رافعين الراية، ولن ننكس العلم أبدا لأن فلسطين قُدّت من أحجار الصلابة وعرق آلاف السنين التي حفرت معنى الرجولة والقوة والصبر والمقاومة في زيتونة فلسطين، وفي كل جبالها وشعبها ووِهادها، فتعالوا إن شئتم  لتقبّلوا التراب وأرجل أطفال غزة والقدس وقلقيلية، ولتشربوا من النبع الصافي، تعالوا لتتعلموا.
* كاتب ومفكر