الرئيسية / وجهات نظر / حرب حماس الدعائية
751384cbdb59cc0cdecbb18f12a1d9db

حرب حماس الدعائية

في سياق عملية الجرف الصامد تستخدم حماس مجموعة من الوسائل الدعائية، من ضمنها قنوات التلفاز الاقصى والجزيرة، ومواقع الانترنت وصفحات الفيسبوك والبلاغات. كل هذه تشكل منصة لتمرير الرسائل والافكار لأربعة عناوين اساسية: الفلسطيني الداخلي، العربي، الدولي والإسرائيلي. ان الصراع لكسب الرأي العام يأخذ حيزا كبيرا من مجهودات حماس لكسب التأييد الداخلي والعربي والدولي، من اجل تكوين نظرة تلائم اهدافها والتأثير على اللاعبين المتصلين بنتائج هذه العملية.
مناورة حماس بين هذا الرأي العام او ذاك يكشف توترات وملابسات بين طموحها بان تظهر بمظهر الضحية خارجيا، وبين محاولاتها اظهار قوتها وتماسكها وسيطرتها داخليا، وهذا يشير الى الخط الضعيف الذي يفصل بين المصلحة الدعائية لحماس من باستهداف اسرائيل للمدنيين الفلسطينيين، الامر الذي يعزز صورة الضحية في الدعاية العربية والدولية، وبين خطورة المس بمكانتها داخليا كونها المسيطرة والمسؤولة عن السكان في غزة.
اضافه لذلك مطلوب من حماس ان تناور بين هوياتها المختلفة. لاعب عابر للدول ويحظى بتأييد عابر للحدود كممثل للشعب الفلسطيني وامتداد للإخوان المسلمين، ولاعب شبه دولة يسيطر على غزة ويقوم بوظائف الدولة امام سكانها، وحركة مقاومة عنيفة ترفض الوضع القائم محليا ودوليا. دعاية حماس تبرز التناقض بين طموحها المعلن للفوز بعد المواجهة بمكانة لاعب دولة شرعي ومعترف به من مصر وإسرائيل والرأي العام العالمي. وبين صعوبة تقبلها شروط اللعبة الدولية والتي تفرض عليةا التنازل عن مبادئها الأيديولوجية وترويض أنماط العمل العنيفة.
رسائل حماس الدعائية
رسائل موجهة للرأي العام الفلسطيني الداخلي:
• حماس مسؤولة: بأن حماس والمقاومة تدافع عن الشعب الفلسطيني بوجه العدوان الاسرائيلي، قيادات حماس لا تختبئ وراء المدنيين بل ومستعدون للتضحية بحياتهم، حماس تسيطر على الوضع الأمني والإداري في غزة أجهزة السلطة مستمرة بعملها بفعالية وتقدم خدمات للمواطنين أيضا بفترة المواجهة.
• انجازات تنفيذية: عطلت حماس الطيران من وإلى اسرائيل وفرضت معادلة حصار مقابل حصار، وتسببت بخسائر جسيمة للجيش الأقوى بالمنطقة واختطفت جندي، وسلاح الأنفاق فاجأ إسرائيل، صواريخ حماس وصلت تل أبيب وما بعدها، المشكلة الفلسطينية عادت لتكون بمركز الرأي العام العربي والدولي، إسرائيل تخفي جزء من خسائرها، الجنود الإسرائيليون خائفون وكثير منهم هربوا خوفا على حياتهم وخوفا من الاختطاف، الجيش الإسرائيلي في أرض المعركة لا يعرف ما يفعل أمام مقاتلي حماس لذلك يضطر لتوجية أسلحته للمدنيين، قوة الردع الاسرائيلي سحقت.
• انجازات مستقبلية: حماس ستفرض على إسرائيل شروطها، الانتصار الذي بدأت ملامحه بالظهور بالمواجهة الحالية هو خطوة أولى على طريق تحقيق الأهداف الاستراتيجية للحركة ومنها رفع الحصار عن غزة، اطلاق صراح الأسرى، عودة اللاجئين وأخيرا تحرير كل فلسطين وعلى رأسها القدس.
• انتقاد مواقف السلطة الفلسطينية وبث رسائل وحدوية: اذا كانت السلطة الفلسطينية لا تستطيع او ليست معنية بمحاربة اسرائيل بنفسها، فعليها على الاقل ان تترك حماس لتقوم بذلك، حماس تحارب من اجل الشعب الفلسطيني كله وتمثله كله، يجب تثمين مواقف السلطة الفلسطينية التي تبنت شروط حماس لوقف اطلاق النار، على سكان الضفة الغربية مساعدة حماس والاستمرار بتصعيد احتجاجهم ضد إسرائيل، حركتا حماس وفتح اثبتتا بالماضي انهما قادران على القتال لجانب بعضهما البعض.
رسائل موجهة للرأي العام العربي والدولي:
• ضحايا: إسرائيل بادرت للقتال والشعب الفلسطيني ضحية لعدوانها، إسرائيل تمس حقوق الانسان وتنفذ جرائم حرب بما في ذلك قصف متعمد للمستشفيات والمساجد والمدارس وتستخدم قنابل اليورانيوم وتستهدف سيارات الاسعاف ومجازر بحق عائلات كاملة.
• معارضة المس بالمدنيين من الطرفين: حماس تختبئ وراء المدنيين، هذه ادعاءات كاذبة هدفها منح الشرعية للعدوان الإسرائيلي، حماس لا تستهدف المدنيين الإسرائيليين، هي حركة تحرير وطنية وليست تنظيم متشدد، تركز على الاهداف العسكرية لإسرائيل مثل مطار بن غوريون الذي تستخدمه الجيش الاسرائيلي أيضا. بالمقابل فان اصابة صواريخ حماس بالمدنيين الإسرائيليين مبررة او على الاقل بالإمكان الصفح عنها لان المصابين يسكنون المستوطنات وعلى اراضي محتلة، ولان حماس هي الطرف الاضعف بالمعادلة العسكرية فإن استهداف المدنيين يكون احيانا الطريق الوحيدة المتاحة لها.
• حملة دولية ضد إسرائيل: مطلوب من منظمات حقوق انسان دولية أن تساعد حماس، زعماء إسرائيل وعلى رأسهم نتنياهو يجب ان يحاكموا بمحكمة جرائم الحرب في هاج بسبب ما فعلوه بالفلسطينيين.
• انتقاد ضد مصر: النظام المصري يمنع مرور الناس والمساعدات الانسانية لحماس عن طريق معبر رفح ويوافق على العدوان الإسرائيلي على غزة، يتآمر مع العدو الصهيوني ضد حماس ويحاول فرض اتفاقية وقف اطلاق نار غير متوازنة، وعلى العكس من ادعاءات المصريين فإن حماس لا تشكل خطر على مصر وأهداف الحركة هي وطنية فلسطينية، سلطة الانقلاب المصرية كما تسميها حماس هي ديكتاتورية وليست ديمقراطية وتتبع لجهات خارجية ولا تعكس المشاعر الحقيقية للشعب المصري الذي يؤيد نضال حماس ضد اسرائيل.
الرسائل الموجهة للرأي العام الإسرائيلي هدفها خلق الرعب وخفض الروح المعنوية وبث رسائل مغلوطة وزعزعة الحصانة الداخلية والثقة بجيش الدفاع الاسرائيلي، فعليا هذه حرب معلومات وأهدافها واضحة.
تحليل الرسائل:
نظرة حماس لمسألة استهداف المدنيين الفلسطينيين:
دعاية حماس تسير فوق الخط الفاصل من جهة فإن استهداف كبير للمدنيين يؤكد صورة حماس الضحية وكحركة تحرير قومي لشعب مقموع يواجه جيش احتلال قمعي وقوي، هذا يعزز من شعبية الحركة لدى الرأي العام العربي ويخلق تضامن وتعاطف مع النضال الفلسطيني ويضع المسألة الفلسطينية بمكانة مركزية لدى الرأي العام العربي، من جهة ثانية فإن عدد كبير من الضحايا قد يهدد مكانة حماس كمن يدافع عن الشعب الفلسطيني بوجه إسرائيل، وفي هذا السياق يشار إلى أن زعزعة مكانة حماس وأحداث شرخ في صورتها كسلطة ومسؤولة أمام الرأي العام الداخلي، من شأن ذلك أن يكون عنصر ترويض.
حماس – مفارقات الهوية والرسائل المتناقضة
حماس هي لاعب عابر دولة يحظى بتأييد عابر للحدود بمعنيين: لكونه جزء من حركة الاخوان المسلمين، أي شريك للأيديولوجية الاسلامية الممتدة  بين الدول، وكونه ممثل مركزي للشعب الفلسطيني وينظر إليه نظرة محافظة كأمر مركزي بالنسبة للعالم العربي بمجمله، نظرا لهذه الازدواجية فإن حماس أظهرت بتواضع قربها لحركة الخوان المسلمين، لأن الأخيرة تعاني من صراع مع العالم العربي وبالذات في مصر، بالمقابل أظهرت وشددت تمثيلها للمسألة القومية الفلسطينية لما فيها من فائدة دعائية وليس صدفة أن وراء خالد مشعل بالمؤتمر الصحفي في الدوحة وضع شعار فلسطين تقاوم، شعبنا منتصر، هذا الشعار لا يحمل طابع ديني اسلامي وأراد اعطاء حماس احتكار تمثيل المسألة الفلسطينية دون ذكر أن الصراع يتركز في غزة فقط وان السلطة لا تشارك به.
دعاية حماس أبرزت أكثر طموحها بأن يعترف بها كدولة وبين الأيديولوجية، الأهداف وأنماط  العمل الرديكالية المتشددة الخاصة بها. من جهة تريد حماس أن تفرض على مصر وإسرائيل رفع الحصار وفتح المعابر وإعطاء الإذن بإنشاء موانئ ومطارات واحترام السيادة على الارض والبحر والجو في غزة، ومن جه ثانية فإن الاستجابة لهذه المطالب تقرب حماس من مكانة الدولة والسيادة، الأمر الذي يعني الاستجابة لمطالب ومعايير دولية وعلى رأسها شروط الرباعية.
لجسر الهوة بين هاتين المسألتين تشدد دعاية حماس أمام الرأي العام الدولي على الأهداف الانسانية المقبولة نسبيا بخصوص الحصار الاقتصادي والسياسي على غزة وتقلل من أهمية الهدف بعيد المدى بتدمير إسرائيل وتبني الصراع العنيف من أجل تحقيقه. بالمقابل تشدد أمام الرأي العام العربي الفلسطيني على رفع الحصار كخطوة على طريق تحقيق الأهداف المستقبلية. هكذا تحاول حماس الإمساك بعصى الشرعية الدولية من طرفيها: طلب المساعدة من الرأي العام العالمي بأن يفرض على إسرائيل ومصر الاعتراف بالحقوق الشرعية للفلسطينيين، الأمر الذي يعني تعزيز مكانة وسلطة واستقلالية حماس في قطاع غزة، وبذات الوقت رفض مطالب المجتمع الدولي بابتعاد حماس عن أهدافها ونشاطها العنيف.
“الغد”