الرئيسية / وجهات نظر / أزمة جديدة بين المغرب والجزائر
7f2044836dd35e1a06ecdf47e5435018

أزمة جديدة بين المغرب والجزائر

لا يكفي الجزائر والمغرب أنهما مختلفان حول ملفات الصحراء والحدود وإرهاب الساحل، بل أضافا إلى ركام السلبيات قضية الحرب على المخدرات. كلما تقادمت أزمة البلدين الجارين حملت معها رواسب مقلقة. ولا يلوح في الأفق ما يبدد استمرار المخاوف من أن هذه الأزمات ما وجدت إلا لكي تبقى وتتعمق أكثر.
في قضية الصحراء، انتقل الجدل إلى مهمة الموفد الدولي كريستوفر روس: هل تكون بهدف معاودة استئناف المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها، أم تفتح روافد جديدة، من قبيل فك الارتباط بين ثنائية النزاع بين المغرب و «بوليساريو» وطابعه الإقليمي الذي يشمل الجزائر وموريتانيا، وفي سياق متصل هل تكون مهمة بعثة «المينورسو» محصورة في رعاية وقف النار وإجراءات معاودة بناء الثقة، أم تختص بالملف الحقوقي الذي يطاول أوضاع حقوق الإنسان؟
التساؤلات تنسحب على العلاقة بين الأطراف المعنية والأمم المتحدة. إنه المسار الطبيعي، غير أن جهود الأخيرة تتأثر إلى حد ما بالتأويلات التي يضفيها كل طرف على تفسيره للمرجعية الأساس. وسيظل المشكل قائماً في غياب اتفاق ضمني على آليات وأجندة الأمم المتحدة إلى درجة يستفاد منها أن الهدف البعيد يكمن في حمل المنظمة الدولية على نفض اليد من قضية طال أمدها بلا مخرج. فقد سبق الوسيط الدولي جيمس بيكر هذه التطورات بوضع انسحاب الأمم المتحدة كأحد الخيارات المطروحة في حال استمرار المأزق. هكذا فرضية لا تلغي أكثر من فكرة تداولت على نطاق ضيق، تفيد بأن على الأطراف أن تتفق على مشروع تسوية ثم تطلب إلى الأمم المتحدة مساندة هذا التوجه. لكن هل الأمر بهذه السهولة، وكيف لمواقف أكثر تباعداً أخفقت الأمم المتحدة في تليينها أن تلتقي في نهاية المطاف عند الحل المقبول من التنازلات؟
في قضية الحدود المغلقة التي يستمر سريان مفعولها، يتصرف البلدان الجاران بمنطق التعايش المفروض والواقع الاستثنائي. بصيغة أخرى إنهما يميلان إلى ترسيخ القناعة ببقاء ما لم يتغير منذ عشرين سنة، على رغم الجهود المبذولة، وفي مقدمها إلغاء الأسباب الفنية التي أدت إلى إغلاق الحدود، أي إلغاء التأشيرة على مواطني البلدين. ولا زالت الطائرات المغربية تنقل مواطنين إلى وهران بدل أن يسلكوا الطريق البرية التي لا تزيد عن مائة كلم. وما من طرف يلتفت إلى هذه المآسي الإنسانية التي تفرق بين جيران الشريط الحدودي الذي كان قبل إغلاقه نموذجاً في التآخي والتعاون.
ما يزيد الأمر تعقيداً أن الاتهامات المتبادلة بين الرباط والجزائر حول تصدير المخدرات أو الحبوب المهلوسة يلغي إمكان البحث في تسوية قريبة للملف العالق. فلا يمكن الحديث عن مساعي معاودة تفعيل الاتحاد المغاربي، مع استمرار هذه القطيعة الإنسانية والسياسية، لأن البعد الثنائي يؤثر في الإقليمي. عدا أن إغلاق الحدود يناقض جوهر البناء المغاربي القائم على إلغاء الحدود أمام تنقل الأشخاص والبضائع والرساميل. وما يفاقم الوضع أن أزمة الحدود لا تقتصر على الخلافات المغربية– الجزائرية، بل تناسلت مضاعفتها على الحدود بين تونس وليبيا وبلدان الجوار الإفريقي، على خلفية تنامي الانفلات الأمني وتغلغل التنظيمات المتطرفة واستشراء تجارة الأسلحة والتهريب.
ليس هذا فحسب، فالجوار الإفريقي عند الخصر الجنوبي للفضاء المغاربي، عند مفارق الحدود مع تشاد ومالي والنيجر، بات يئن تحت وطأة العنف وغياب الاستقرار والسلم. وفيما كان يعول على البلدان المغاربية أن تشكل خلفية مساعدة في التصدي الجماعي لهذه الآفات، أضحت تتعاطى مع الملف بوازع تأثير خلافات بعضها مع بعض.
ثمة اتفاق مبدئي لا يجادل فيه أي طرف، مفاده أن تهديدات الساحل تشكل خطراً حقيقياً على بلدان الشمال الإفريقي، ويمكن لتأثيرها أن ينسحب على الفضاء المتوسطي، نتيجة الهجرة غير الشرعية التي تطرق المعابر الأوروبية بشدة وعبر أشكال من المغامرات المأسوية. غير أنه بدل الانكباب على مواجهتها بما يتطلبه الأمر من تنسيق وتعاون، هيمنت الخلافات السياسية على المواقف المتباينة أصلاً. وبالتالي أضحت المنطقة المغاربية أسيرة خلافاتها القديمة– الجديدة.
بعض الأزمات لا تجد طريقها إلى الحل إلا عند بلوغها درجة عالية من التعقيد. وبعضها يدار عن طريق المواجهات بشتى الوسائل قبل الالتئام على طاولة المفاوضات، لكن في حالة المغرب والجزائر يغلب الاستثناء، فالبلدان يتبادلان أعلى درجات الاتهامات، لكن في حدود ضبط النفس. ترى لو أن بعض الحكمة في الإفادة من تجارب مأسوية عربية أو إفريقية دفعت بهما إلى بدء صفحة جديدة من الحوار، هل سيظل الموقف بهذا التوتر؟ إنهما يوجهان السهام، وإن بحدة مختلفة، في اتجاه الأمم المتحدة، فماذا لو قدما نموذجاً مثالياً بالتعاون مع جهودها لإنهاء أزمات المنطقة؟
“الحياة” اللندنية