الرئيسية / وجهات نظر / المشهد الأميركي في العراق…
1814299d8dbfb54cbc8122ebc4c80495

المشهد الأميركي في العراق…

جملة أحداث حصلت في القرن الحادي والعشرين غيرت مسيرة الولايات المتحدة الأمريكية تغيرا جذريا، وجعلت من أمريكا اليوم غير أمريكا قبل سنوات، أولها انهيار أبراج مركز التجارة العالمية بنيويورك، الذي أوضح أن الذكاء الإنساني قادر على اختراق أكبر الأجهزة الاستخباراتية التي تعتمد على تقنيات التكنولوجيا الحديثة والتغلب عليها، فتنظيم في العالم الثالث كتنظيم القاعدة استطاع التمويه على اقوي دولة وإصابتها بمقتل على غفلة منها، فأعطاها مؤشرات إن التكنولوجيا ليست كل شيء، “لا تحقرن صغيرا في مخاصمة، إن الذبابة تدمي مقلة الأسد”. وثانيا -وهو الأهم- تأرجح صورة أمريكا بعد احتلالها للعراق أمام ضربات المقاومة العراقية الشرسة التي أذهلت العالم  وأعيت حيلة أمريكا، ولاسيما بعد أن تبين أن العراق كان خاليا من أسلحة الدمار الشامل ولا علاقة له بالإرهاب، ففقدت أمريكا مصداقيتها واهتزت صورتها داخليا وخارجيا، وبخاصة بعد خيبة أملها بليبيا، وبدلا من أن تكافأ على إسقاط القذافي صدمها حادث حرق سفارتها ومقتل السفير ودبلوماسيها في بنغازي، “ولرب فيل أزعجته القبرة”. وثالثا الأزمة المالية العالمية التي أظهرت أن ليس في العالم دولة مهما حصدت من التقدم العلمي والقوة والهيمنة بمنجى عن الانهيار والسقوط على حين غرة، ورابعا انتخاب أول رئيس أمريكي أسود من أصول أفريقية وأب مسلم اعتاد الحذر في تصرفاته لكي لا تحسب بميزان التنافس العنصري، في هذه الإحداث دروس مستفادة وعِبر حدت من اندفاع الأمريكيين في نهجهم الاقتحامي باستخدام الحسم العسكري.
أمريكا تعهدت للعراقيين عند انسحابها بحماية مصالحهم وحدودهم، لكن الشعب الأمريكي لم يعد يحتمل الخسارة في الأرواح واستنزاف الاقتصاد بعد التجربة مع المقاومة العراقية، وأدركت أن شعوب الدول العربية والإسلامية، لا تثق بسياسات النخبة الأمريكية وتشكك بنواياها، فضلا عن أوباما  يشعر أن حنكته الشخصية أسهمت بانتزاع الرئاسة من خصمه مرشح الحزب الجمهوري ودخوله البيت الأبيض، ويريد الإسهام عند إنهاء ولايته بتولي الديمقراطيين قيادة أمريكا أيضا. فلا يحبذ التورط بأي تدخل يحمل أمريكا تبعاتٍ تُفقد حزبه الديمقراطي شعبيته. وهو في الأساس لم يؤيد التدخل الأمريكي في العراق. وكان الانسحاب شعار حملته الانتخابية، في الوقت نفسه لا يريد أن تفقد أمريكا نفوذها في العراق. ويشعر أن تدخله مجددا بريا في العراق سيثير تساؤلا عن أسباب عزوفه عن التدخل في سوريا رغم كل الكوارث الإنسانية، ولو تدخل في العراق بقوات برية مجددا، أمامه الموقف القادم في ليبيا الذي يدعوه للتدخل أيضا، فلجأ إلى حل وسط يتلافى فيه الإحراج.
ما ذكرناه لا ينفي أن أمريكا مازالت القوة الأكبر والأعظم عالميا، ولكنها لم تعد وحدها اللاعب الوحيد بالميدان سواء في العراق أو سوريا، فإيران تشاطرها النفوذ الروحي وهو أقوى من أي نفوذ آخر مادي أو عسكري تمتلكه أمريكا، ولذلك اعتمدت سياسة التوازنات للحفاظ على تفاهماتها المستقبلية مع إيران في مفاوضات تحجيم برنامجها النووي، وانتهاج سياسات ملتبسة توقع الآخرين في الالتباس أيضا، أمريكا لا تريد التخلي عن نفوذها والتزاماتها في العراق، مثلما لا تريد ضرب داعش، لذلك تطالب بتشكيل حكومة توافقية يكون فيها للسنة نصيب عادل، وتنتظر تشكيل حكومة شيعية سنية كردية جديدة تتمكن من طرد داعش وإخراجها من العراق بجهود كل العراقيين، وبمساعدة أمريكية تقتصر على التسلح مقابل النقد، وتربط القرار الحاسم بما بعد تشكيل الحكومة الجديدة، لأنها لو ضربت داعش في العراق عليها أن تضربها في سوريا أيضا.
ولا تريد أمريكا أن تثير حساسيات بعض السنة العرب لو أقدمت على ضرب داعش ضربة قاصمة بذريعة الدوافع الإنسانية وحجة تهجير الأقليات، لأن هناك دوافع إنسانية تدعوها للتدخل وإيقاف قصف الجيش العراقي للعرب السنة في الفلوجة والرمادي وصلاح الدين وديالى التي هجرت أهلها السياسة الطائفية وتدور فيها المعارك وتتحكم بها المليشيات، فالسنة في العراق بنظر الأمريكيين أقلية أيضا قياسا بالشيعة وحمايتهم التزام إنساني، ولكل هذه الأسباب فضلت أمريكا عدم الزج بجنودها في معارك لا طاقة لها بها، ولا فائدة منها سوى دفاعا عن الغير.
أمريكا لا تريد القضاء على داعش بجيش أمريكي، وإنما تريد فقط إيقاف زحفها على الأكراد، فقامت بضرباتها الجوية المحدودة لتشعر أصدقاءها الكرد والأقليات المسيحية والأزيدية بشيء من المصداقية والوفاء بالتزام حمايتهم دون تزويدهم بأسلحة ثقيلة محرجة إمام الحكومة العراقية وقد تتسبب بظهور أزمة بين الإقليم والمركز مستقبلا، كما تعهدت بتزويد الحكومة العراقية المركزية الجديدة بالسلاح والعتاد لصد هجوم داعش وفي كل ذلك  شيء من الوفاء بالتزاماتها، وأعطت رسائل تعني ما تعنيه لكل طرف في العملية السياسية العراقية كفرصة  لتشكيل حكومة جديدة تتحمل مسئولية تنظيف العراق من داعش أو تفتيته وتقسيمه.
“البلاد” البحرينية