الرئيسية / وجهات نظر / ديبلوماسيتنا بأجنحة متكسّرة
77cda37698ccb90a80c7b44315874d95

ديبلوماسيتنا بأجنحة متكسّرة

منذ أول حكومة لتونس المستقلة والتي حرص الزعيم بورقيبة أن يتولى فيها مقاليد وزارة خارجيتها بالإضافة إلى صفته كرئيس للحكومة، سارت الديبلوماسية التونسية على ثوابت وتكلمت بصوت واحد واضح مسموع: السيادة الوطنية، التعلّق بالشرعية الدولية وعدم التدخل في شؤون الغير. بالعمل بهذه الثوابت استطاعت تونس على مدى نصف قرن أو يزيد أن تتخطى محدودية إمكانياتها وأن تفرض صوتها المعتدل الرصين على كل المعسكرات شرقيها وغربيها سواء بسواء واستطاعت أن تستفيد من تنافس تلك المعسكرات فيما بينها، وأن تحوّل صغر حجمها إلى قوّة للاصداع بالحق ولعب دور الحكم في أكثر من قضية اقليمية أو جهوية وحتى عندما انضمت إلى كتلة دول عدم الانحياز وفي هذا دليل آخر على تعلقها بسيادة قرارها ـ فإنها بقيت وفية للمبادئ التي تأسست عليها منحازة أبدا إلى قضايا الحق والعدل دون التغافل عن مصالحها الوطنية ودون الانفصال عن الالتزام بالشرعية الدولية.
وبينما كنا ننتظر أن تقوى ديبلوماسيتنا بعد 14 جانفي ويعلو صوتها بعد تحرره من كل الضغوطات وتخلصه من كل شوائب النظام السابق،  حصل ما لم نكن نتوقعه وسقطت سياستنا الخارجية في المزايدات العقيمة ودخلت في مشاحنات لا جدوى لها منها ولا قدرة لها عليها. فوقع قطع العلاقات مع سوريا وفتح بذلك باب المجهول أمام الجهاد الارهابي، ووقع تأزيم العلاقات مع مصر ولم تسلم صلاتنا التاريخية مع دول كالسعودية والامارات والكويت من غطرسة التعامل العنجهي المغرور وحتى الجارة الجزائر لم تسلم من تقلبات وانقلابات خطابنا ومواقفنا الخارجية مما أدى إلى فتور وبرود.
من يتحمّل مسؤولية هذا الحطام المؤسف؟
إنه الرئيس المؤقت منصف المرزوقي الذي نسي أو تناسى أن سياستنا الخارجية لم تنشأ من فراغ حدث بعد 14 جانفي 2014 بل هي نتاج لتراكمات سجل التاريخ الوطني مواقفها ونضالاتها، والذي نسي أو تناسى أن الديبلوماسية ليست لعبة سياسية بلون حزب أو تنظيم لأنها فوق كل الأحزاب والانتماءات وهي أولا وقبل كل شيء مهنة ودراية ودربة لا شعارات ترفع لاشباع الأنا الرئاسية المتضخمة «كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد».
إن ديبلوماسيينا الذين يجتمعون اليوم في إطار ندوتهم السنوية يعلمون ما عليهم لإعادة سياستنا الخارجية إلى مجراها الطبيعي ودفعها إلى مياهها الاقليمية حتى تستعيد دورها وصوتها وفاعليتها.
“الشروق” التونسية