الرئيسية / وجهات نظر / وقف إطلاق نار دون هدنة قد يكون أسوء من الهدنة
8986f0e14a473f333d4bf298560f415d

وقف إطلاق نار دون هدنة قد يكون أسوء من الهدنة

يبدو ان كل اطراف الصراع والوسطاء والمراقبين والمحللين منشغلون بشكل وشروط الهدنة التي يمكن التوصل لها بين المقاومة في غزة وإسرائيل. هدنة يتعدد فيها الوسطاء وتتعدد المحاور، وتتضارب المواقف وتتباعد ليس فقط ما بين شروط المقاومة وشروط إسرائيل بل ايضا ما بين الاطراف الفلسطينية نفسها، وما بين الوسطاء أنفسهم، بحيث بات الأمر يحتاج لهدن أو تفاهمات متعددة ما قبل الهدنة بين المقاومة وإسرائيل. هدنة وتفاهمات ما بين فصائل المقاومة ومنظمة التحرير، وهدنة وتفاهمات ما بين مصر ومحورها من جانب والمحور القطري التركي الإخواني من جانب آخر، وتفاهمات مصرية امريكية، وتفاهمات داخل مجلس الأمن … بكل ذلك يمكن التوصل لصيغة اتفاق هدنة يتم التفاوض عليها مع إسرائيل.
مثلا عندما تشترط المقاومة رفع الحصار عن غزة حتى تقبل بوقف إطلاق نار وهو مطلب مشروع، فإن هذا الشرط يجر مصر للصفقة لأنها المعنية أساسا بفتح معبر رفح وبالأنفاق، ولكن الحكومة المصرية معادية لحركة حماس ولا تقبل أن يُفرض عليها التعامل مع قطاع غزة المحكوم من حركة حماس الإخوانية المنتشية بالانجاز العسكري الذي حققته بالحرب !. فمصر وكل الدول العربية اليوم لم تعد تتعامل مع القضية الفلسطينية من منظور المسؤولية القومية أو الواجب القومي واعتبار القضية الفلسطينية قضية العرب الاولى الخ، بل تنطلق من منطلق المصلحة الوطنية المصرية من منظور السلطة الحاكمة في مصر.
هذا لا يعني استحالة التوصل إلى هدنة، لكن كل هذه الاختلاطات والتداخلات يجعلنا امام صفقة هدنة سياسية وأمنية وعسكرية وليس مجرد إطلاق نار، مما قد يأخذ وقتا طويلا، ونتمنى التوصل لهدنة مشرفة تحافظ على وحدة الشعب والأرض الفلسطينية.
مع انشغال الكل بالحديث عن الهدنة يغيب للأسف الحديث فلسطينيا وعربيا وإسلاميا عن كيفية دعم المقاومة ومدها بمقومات الصمود، مع هدوء الموت على كل الجبهات العربية،و شبه موات للشارع العربي والإسلامي، مما يجعل المقاومة تعتمد فقط على الله وعلى ما تخزنه من سلاح وعلى قوة الإرادة وعلى صبر وصمود الناس في القطاع وعلى مدى تحرك الشعب في الضفة الغربية. وهذا وضع اسوء من العدوانيين السابقين حيث كانت الانفاق تعمل والمعبر مفتوح وقوافل الدعم تتدفق إلى القطاع، وبعض المراهنة على ما يسمى الربيع العربي.
يبدو أن إسرائيل تعرف هذه التداخلات والتعقيدات، وبالتالي فهي وإن كانت معنية بالحديث عن الهدنة أو عن تهدئة لساعات كنوع من المناورة وتغرير الرأي العام العالمي والحد من انتفاضة الضفة الغربية والقدس، إلا أنها غير متعجلة لهدنة نهائية، لذا تُصر على شروطها المرفوضة ليس فقط من فصائل المقاومة فقط بل من كل الشعب الفلسطيني، لأن إذلال المقاومة وإذلال غزة هو إذلال لكل الشعب الفلسطيني.
إذن وسط الانشغال بحديث الهدنة وشروطها، وكأن الهدنة هي النهاية الوحيدة للعدوان، يغيب سيناريو لوقف العدوان قد يكون اكثر سوءا من اية هدنة، وهو ما لا يتم الحديث عنه ويتجاهله المحللون وربما السياسيون، ونقصد به أن تعلن إسرائيل فجأة عن وقف إطلاق النار من طرف واحد، بزعم أنها اكملت هدم الانفاق، مع استمرار تواجد قواتها في المناطق التي توغلت فيها، وربما تنسحب منها.
يجب علينا ان نفكر بخطوة خبيثة مثل هذه وكيفية مواجهتها. عندما نقول إن هذا السيناريو أسوء من الهدنة، لأن إسرائيل ستُوقِف إطلاق النار من طرف واحد ، وتترك قطاع غزة أمام وضعه المأساوي، من استمرار الحصار بل وتشديده، مع الخراب والدمار حيث ثلث سكان القطاع نازحون في المدارس والمستشفيات والشوارع، وآلاف أسر الشهداء والمصابين،وآلاف البيوت المُهَدَمة، بالإضافة إلى مشاكل الكهرباء والمياه؟. مما يجعل فصائل المقاومة أمام اعباء ثقيلة تضاف إلى مسؤولية حماية الحدود والرد على الانتهاكات الإسرائيلية.
قد يقول قائل إن الرد على هذه الخطوة الإسرائيلية يكون من  خلال سرعة مرابطة حرس الرئيس على الحدود مع مصر لضمان فتح معبر رفح ودخول المساعدات، وممارسة حكومة التوافق صلاحياتها في قطاع غزة، ولكن، هل ستقبل إسرائيل بهذا الحل، والكل يعرف أن من اهم دوافع إسرائيل من العدوان هو إفشال حكومة التوافق الفلسطينية ؟ ! بل ربما لا تقبل به بعض الاطراف الفلسطينية والمحاور الخارجية.
نتمنى من القيادات الفلسطينية أن تكون حسبت حسابا لكل الاحتمالات وخصوصا أن لديها دراية وتجربة ومعرفة بالخبث والدهاء الصهيوني. في السياسة، والحرب سياسة بوسائل عنيفة، على القادة أن يفكروا بكل الاحتمالات حتى الأكثر سوءا، وفي حالة إقدام إسرائيل على هذه الخطوة الاخيرة يجب أن يعمل الجميع على الحفاظ على وحدة الشعب التي تحققت في الحرب، لأن هدف العدو من هذه الخطوة خلق فتنة داخلية، ونقل المعركة إلى الداخل الفلسطيني، وزيادة التوتر ما بين قطاع غزة ومصر.