الرئيسية / وجهات نظر / ورش توزيع الثروة
301a85549e8c94ee2bf03994a1525a01

ورش توزيع الثروة

تركيز خطاب العرش الأخير على قضية توزيع الثروة وعائدات النمو على المجتمع جاء ليكمل الشق الثاني من الجواب المغربي في تفاعله مع التحولات السياسية العميقة التي مست العالم العربي، فقد رفع الحراك الديمقراطي عنوانين أساسيين هما دمقرطة السلطة، والتوزيع العادل للثروة وإحداث الفصل الضروري بين السلطة والثروة.
مرت الآن أكثر من ثلاث سنوات عن الحراك الديمقراطي، وتم التفاعل بشكل الإيجابي مع العديد من عناصر الإصلاح المؤسسي والقانوني والسياسي، ويجري اليوم فتح ورش الإصلاح الانتخابي بنفس تشاركي محكوم بإرادة سياسية لا تتردد في الإعلان عن توفير الضمانات اللازمة لمرور العملية الانتخابية في جو من النزاهة والشفافية، لكن، على مستوى الشق الثاني المرتبط بتوزيع الثروة وعائدات النمو على جميع شرائح المجتمع خاصة منها الفقيرة والمتوسطة، فرغم الجهود التي بذلت في سبيل رفع الهشاشة الاجتماعية وتيسير عملية إدماج العديد من الفئات الهشة، ورغم توجه السياسات العمومية مؤخرا إلى توسيع وعاء الخدمات الاجتماعية وتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية، إلا أن ذلك لم يرتفع إلى مستوى تمتع كل الفئات بعائدات النمو المقدرة التي يحققها الاقتصاد المغربي.
مؤخرا، استغربت كريستيان لاغارد مديرة صندوق النقد الدولي من المفارقة التي يمثلها ارتفاع نسبة النمو في المغرب، وعدم استفادة الشرائح المجتمعية الواسعة من هذا النمو، وألمحت في تصريحها إلى أن المغرب نجح في مسارين اثنين مهمين، مسار تأمين الاستقرار السياسي، ومسار إنقاذ الاقتصاد الوطني وتعزيز الثقة فيه من قبل المؤسسات المالية والائتمانية الدولية ومن قبل المستثمرين الأجانب، لكن هذه المكتسبات التي أعانت المغرب كثيرا في تأمين جوابه الاستثنائي في المنطقة العربية لا يمكن أن يستمر ويمتد إلا بمسار ثالث يتجه نحو فتح الورش الثاني الأساسي في الإصلاح والمتمثل في تدبير توزيع الثروة وعائدات النمو على كل المغاربة.
والحقيقة أن ورش توزيع الثروة يحتاج هو الآخر إلى مسار يأخذ مداه في الزمن، وربما صعوبته أكبر، بحكم الارتباط الوثيق الموجود بين السلطة والثروة في المغرب، وبحكم أن حجم الممانعة تكون أكبر حين يتعلق الأمر بالامتيازات الاقتصادية والمالية.
لكن الإقرار بصعوبة تدبير هذا الورش لا يعني أن ليس هناك إمكانية لإنتاج جواب مغربي لحل هذه المعضلة، لاسيما وأن متطلبات تحصين الاستقرار السياسي، والحفاظ على جاذبية المغرب الاقتصادية والاستثمارية، تتطلب فتح هذا الورش وعدم التأخير فيه.
ثمة حكمة ملكية واضحة في اختيار البدء بالجانب العلمي في مباشرة هذا الإصلاح، من خلال دعوة بنك المغرب والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى دراسة ما يتعلق بهذا الشق وتعميم نتائج هذه الدراسة وتقديم التوصيات الضرورية التي ستعتمد كقاعدة للسياسات العمومية لإصلاح هذا الورش.
وجه هذه الحكمة ظاهرة، فالأمر يتطلب بحث جوانب الخلل في توزيع عائدات النمو بحثا علميا، إذ التشخيص العلمي سابق عن أي سياسة عمومية، وإقحام المؤسسات الدستورية أو المؤسسات المالية الحيادية ضروري حتى لا يولد الإصلاح مشحونا بالصراعات السياسية الناشئة عن اصطفافات النخب السياسية بالنخب الاقتصادية، واعتماد هذه التوصيات كقاعدة للسياسات العمومية يوفر القاعدة الأساسية للتوافق المطلوب في أي إصلاح، والإرادة الملكية تمثل ضمانة أساسية لإنجاح هذا الإصلاح وتحصين التوافق فيه.
المشكلة الآن ليست في الإرادة السياسية، ولا في منهجية الإصلاح، فخطاب العرش حسم في هذين الأمرين، إنما المشكلة في أمرين اثنين: زمن الإصلاح والذي ستدفع بعض النخب الاقتصادية المستفيدة في تمديده وخلق مبررات تجميده، والثاني مرتبط بمضمون الإصلاح، وهل سيتجه نحو إعادة توزيع الثروة القائمة، أي إصلاح عطب النموذج التنموي القائم؟ أم بالتوجه نحو خلق مصادر ثروة جديدة وتوسيع لائحة الخدمات وتقوية منظومة الحماية الاجتماعية، أي إحداث تعديلات في النموذج التنموي القائم؟
التقدير أن القضية الأولى هي الأكثر أهمية، لأن ربح زمن الإصلاح يعادل الإصلاح نفسه، أما القضية الثانية المرتبطة بمضمون الإصلاح، فسواء تعلق الأمر بإصلاح الأعطاب البنيوية للنموذج التنموي أو تعلق الأمر بتعديل بعض عناصره، فالنتيجة أن المغرب سيباشر الإصلاحات في هذا المجال، وسينتهي به الأمر اليوم أو غدا إلى الصيغة المثالية للإصلاح بعد أن يجرب الصيغ التوافقية غير المكلفة.
“التجديد” المغربية