الرئيسية / وجهات نظر / الاستقرار والهوية.. خير أريد بنا أم شر؟
3153a750d44635b7fe68df9331b2ac2a

الاستقرار والهوية.. خير أريد بنا أم شر؟

المؤشرات الحالية سواء تعلق الأمر بالسياسة الداخلية أو الخارجية لبلادنا لا تقول بأننا نعمل لأجل المستقبل، لأجل تفادي مشكلات كبيرة يمكنها أن تقع لبلادنا في السنوات القادمة. كل ما تقوله هذه المؤشرات أن هناك عملا يتم، لكي يستمر الحال على ما هو عليه إلى أبعد وقت، وبعدها لا ندري أخير أريد بنا أم شر.. فهل أجرينا قراءة مستقبلية في بعض من هذه المؤشرات وأولاها: الأمن والهوية.
1ـ  الاستقرار: صحيح نحن اليوم ننعم على خلاف محيطنا باستقرار متميز، نُحسد عليه، لا شك في ذلك، وهذا نتيجة تطور تحكم إيجابي على أكثر من صعيد في الأحداث التي عرفتها بلادنا في العشرية السوداء. لقد تمكنا بالفعل من أن نستفيد من درس الاقتتال فيما بيننا وعلمنا أن ذلك لن يعود بالخير على أحد، وقبلنا بالحد الأدنى من المصالحة وإن كان فيها ربح لطرف على حساب الآخر، أو كان فيها لاعدل وإحساس ببقايا ظلم لدى  بعض الأطراف ممن دفعوا ثمن الصراع آنذاك من غير أن يكون لهم دور فيه، أو ممن خُربت حياتهم وتم تحطيم مصيرهم لمجرد أنهم تعاطفوا يوما مع حزب شرعي أعطاه القانون الجزائري اسم الجبهة الإسلامية للإنقاذ. أو ممن فُقدوا ولم يظهر لهم أي أثر إلى اليوم ومعهم دفنت حقيقة لا يعلمها إلا الله. ونجا من نجا من كل هذا.. وسيسجل التاريخ لكل أفعاله وأقواله، ظلمه أو عدله ويبقى الحكم العدل معلقا إلى اليوم الآخر.. حدث كل هذا، ومع ذلك نحن نعيش بأمن واستقرار، وهي نعمة نُحسد عليها بحق من قبل أشقائنا وجيراننا الذين هم الآن يذوقون مما ذقناه قبل 20 سنة خلت… ونحن نعيش هكذا ينبغي ألا نطرح السؤال لماذا حدث ذلك؟ ومن قام بذلك؟ فقط، لأن تلك من أسئلة الماضي إنما علينا أن نطرح السؤال كيف ينبغي أن نعزز ذلك وأن يستمر ذلك وأن لا يتكرر ذلك حتى لا يتحول الخير لدينا إلى شر بعد حين. فهل طرحناه؟
يبدو أننا لا نفكر بعقلية إمكانية تبدل السيناريوهات في غير صالحنا؟ لا نضع كافة التوفيقات المحتملة للإشارات الحاملة لكل مستقبل غير مرغوب فيه يمكن أن يقع. من ذلك ما يحدث بحدودنا الشرقية والغربية والجنوبية بالدرجة الأولى، وتلك المساحات التي ما فتئت تكبر هنا هناك في مجال اليأس لدى الناس من حدوث تغيير على أعلى هرم في السلطة يسمح بالانتقال من الحكم عن طريق الولاء للأشخاص إلى الحكم عن طريق الولاء للجمهورية ولمؤسساتها وللقوانين التي تحكمها..ويأس من أن تبدأ البلاد تعيش مرحلة تغليب عدل القانون على عدل الأشخاص، ويأس لدى الناس بأن يجدوا مناصب شغل، أو يستعيدوا حقوقهم المهضومة، أو يرتقوا في سلم المسؤوليات، أو يقضوا أدنى مصالحهم من غير أن يبحثوا في مفكراتهم عن العلاقات الشخصية التي تفهم في الولاءات  وتصلح لتقديم الخدمات..
كل هذه المؤشرات التي قد نستصغرها وهي تبرز في أروقة إدارة أو قاعة جلسات محكمة أو مستشفى أو معمل أو وسيلة نقل أو غيرها من المرافق العامة أو الخاصة، مما نراه كل يوم، هي في الواقع إشارات حاملة للمستقبل ينبغي الانتباه إليها قبل أن يتحول هذا المستقبل إلى حاضر نسميه عدم استقرار ونعجز على التعاطي معه كما هو شأن الكثير من الدول التي وقعت في ما لا يحمد عقباه، وقد كانت شهورا قبل ذلك لا تتصور مطلقا أنها ستقع فيما ستقع فيه…
2ـ الهوية والجنسية: وفي مقام ثان قد يبدو مثل هذا المؤشر، ‘الهوية والجنسية” المتعلق بسيناريو الخير أو الشر المتوقع لنا، غريبا اليوم بعد أكثر من خمسين سنة من الاستقلال، وقد يرى البعض أننا لا نعرف إشكالا في هذه المسألة بالذات رغم الكثير من الإشارات ذات الدلالة العميقة والتي بدأت تتفجر على السطح مثلما يحدث في غرداية وقد يحدث في مناطق أخرى.
من كان يتوقع أن هذه الواحة المسالمة الواعية المثقفة ذات التراث العريق والأكثر من ذلك المتسامحة منذ قرون قد تتحول لما هي عليه الآن؟ ومَن قال بأن الدولة الجزائرية المركزية والتي تمتلك كافة وسائل الترغيب والترهيب ستعجز عل التعاطي مع وضع يبدو بسيطا للوهلة الأولى في هذه المنطقة؟
إن مثل هذه الاحتمالات تتجلى أكثر عندما نتابع بشيء من الإمعان ردود فعل الجزائريين من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وتعليقات الصحف الوطنية بشأن مشاركة الجزائر في احتفالات فرنسا بالرابع عشر من جويلية. لقد كشفت هذه المشاركة الخلل الكبير في الموقف الجزائري بشأن التعامل مع التاريخ  والتعاطي مع مكونات الشخصية. من جهة نجد شبابا من مختلف الأعمار لا يترددون “براغماتيا” في السعي للهجرة إلى فرنسا والقبول بالجنسية الفرنسية ـ إن عُرضت عليهم ـ  لأن ذلك من  شأنه أن يحل لهم العديد من المشكلات التي لم يتمكنوا من حلها في بلدهم (الحياة الكريمة والمكانة بين دول العالم من خلال جواز السفر الفرنسي)، ومن جهة أخرى نجد ذلك الإحساس الكبير بأن بلدهم ينبغي ألا تقع في شراك قوة الأمس الاستعمارية التي ترغب في تأكيد أنها لم تكن تحمل رسالة تخريب وتدمير إنما كانت حاملة حضارة لشعب كان دون مستواها، بدليل أنه مستعد اليوم للاحتفال بأنه ساهم منذ قرن من الزمن في الدفاع عن هذه القوة المتحضرة ضد الهمجية الهتلرية، أي أنه لم يكن أبدا النقيض التام لها. وفي ذلك قلب لكل المفاهيم التي بنيت عليها مسألة الهوية والانتماء الحضاري والثورة ضد الأجنبي مغتصب الأرض والدين. وهل يثور المرء ضد متحضر دافع جنبا إلى جنب معه ضد الهمجية أم يقبل به ويندم أنه ناصبه العداء ذات يوم وثار عليه؟
يبدو أن هناك خللا اليوم في هذا المستوى، بين أن تكون لنا نظرة تاريخية متماسكة لماضينا ومواقفنا، قد ينقلب في يوم من الأيام إلى عامل ممزق لجنسيتنا ولهويتنا فلوحدتنا الوطنية.
إننا نشعر وكأن هناك قرارات تتخذ خارج المنظور الاستشرافي  للمجتمع والدولة، وربما تتخذ من خلال حدس أفراد أو حساباتهم الشخصية أو إحساسهم الخاص الذي قد تشوبه الكثير من الأوهام تخلط بين الصحيح والخاطئ، وذلك  أكبر من إشارة حاملة للمستقبل. إنه دليل على تحول هذه الإشارة إلى عامل مباشر مؤثر في التغيير وهنا تكمن الخطورة.
فهل فكرنا في بقية العناصر الأخرى ذات التأثير على مستقبل بلدنا لكي لا نفاجأ ذات يوم بسيناريوهات كارثية، إن لم  تصبنا نحن  تصب أبناءنا… يبدو أنه علينا أن نخرج من وهم الحاضر رغم ما نعرف فيه من إيجابيات إلى حقيقة المستقبل بكل ما يحمل لنا من مخاطر وأسرار ومفاجآت. وأن نقوم نحن بصناعته لا أن نترك الآخرين يعبثون به كما شاؤوا.. من الأمن إلى الهوية.. يريدونه شرا لنا حتى وإن بدا في ظاهره خيرا اليوم.
“الشروق” الجزائرية