الرئيسية / وجهات نظر / الربيع العربي… زهورٌ وأشواك!
78c73de509ac7bb8f428619b0f83b249

الربيع العربي… زهورٌ وأشواك!

يثور جدال واسع في الأوساط العربية والدولية حول المحصلة الحقيقية لثورات «الربيع العربي»، فالغالبية تتحمس لها على اعتبار أنها اندلعت نتيجة القهر والفقر، ونتيجة الاستبداد والفساد، ولكن البعض الآخر يراها جزءاً من مخطط كبير لخدمة أهداف القوى الكبرى في المنطقة وتطويعها تحت مظلة دينية تصيب التوجه القومي في مقتل وتعيد المنطقة كلها إلى القرنين السادس عشر والسابع عشر مع إسقاط أعمدة الدولة الحديثة وتقويض دعائم وجودها والعبث بهويتها وضرب الكيانات الوطنية على امتداد الساحة العربية. وإذا كنا لا نتحمس لذلك التفسير الغامض ونرى أن الجماهير التي خرجت ضد حكامها إنما كانت تعكس حالة المعاناة المتمثلة في العوز وغياب العدالة الاجتماعية وافتقاد الديموقراطية الحقيقية، إلا أننا نؤكد في الوقت ذاته أن هناك فصائل وجماعات قامت بالسطو على تلك الثورات – بدعم من قوى خارجية – فأجهضت انتصارها وسرقت إنجازها وصنعت حالة من الفوضى في البلاد وبين العباد، ولعلّي أطرح هنا بعض التصورات في هذا السياق:
أولاً: إن «الربيع العربي» هو اسم أطلقه الغرب على الثورات العربية والانتفاضات الشعبية التي شهدتها المنطقة في تزامنٍ يدعو إلى الانتباه ويشير إلى وجود «عقل مركزي» وراء ما جرى، لأن العرب الذين لم يتفقوا على أمور كثيرة لا يمكن أن يتفقوا على توقيت الثورات. ولست أعني بذلك أن ثورات «الربيع العربي» هي جزءٌ من مؤامرة كبرى ضد الجماهير العربية في دولها، فأنا لا أميل إلى التفسير التآمري للتاريخ وأظن أن الأخذ به هو محاولة هروبية لاستسهال تفسير المواقف وتبرير الأحداث والارتكان إلى «نظرية المؤامرة» واعتبارها هي التي تقف وراء كل الأحداث، فالأمر الذي لا خلاف عليه هو أن الشعب التونسي والشعب المصري والشعب الليبي والشعب السوري بل والشعب اليمني وقبلهم جميعاً الشعب العراقي هي شعوب ضجت كثيراً من القبضة الشديدة للحاكم ومظاهر الاستبداد بالسلطة، فضلاً عن شيوع الفساد وغياب العدالة الاجتماعية، ولا شك في أن الذين خرجوا إلى الميادين في ثورات تلك الدول هم في معظمهم وطنيون شرفاء لا يملكون إلا أجندة وطنية ليست فيها شبهة وليس عليها غبار، وإذا كانت قد اندسّت بين جموعهم عناصر مدربة في الخارج أو مدفوعة من قوى أجنبية وإذا كانت قد ركبت الموجة فصائل سياسية وتنظيمات تعودت الحشد العددي والتربيطات الانتخابية لما يقرب من ثمانين عاماً… إذا كان الأمر كذلك، إلا أنه لا ينفي طهارة تلك الثورات والآمال التي انعقدت عليها والأحلام التي ارتبطت بها، وإذا كانت الرياح قد أتت بما لا تشتهي السفن بعد ذلك، فليس العيب في الثوار ولكن العيب في الأشرار من خاطفي السلطة وعشاق مقاعد الحكم.
ثانياً: يستغرق العرب والمسلمون في الاستسلام لـ «نظرية المؤامرة»، فسقوط آخر خلافة إسلامية بإنهاء حكم الدولة العثمانية إنما هو في نظرهم مؤامرة كبرى شارك فيها مصطفى كمال أتاتورك القادم من سالونيك اليونانية حينذاك، كما أن سقوط الاتحاد السوفياتي السابق قد جاء هو الآخر نتيجة مؤامرة كبرى شارك فيها البابا يوحنا بولس الثاني ولعب فيها ميخائيل غورباتشوف دوراً محورياً، كما أن اغتيال جون كنيدي الذي قُتل في إطار عمل مخطط ومحكم هو أيضاً مؤامرة، بل إن مصرع الأميرة ديانا ودودي الفايد في نفق في باريس هو الآخر مؤامرة، ونحن لا نجادل كثيراً في الوصول إلى هذه النتائج، فالمؤامرة موجودة – دولياً وإقليمياً ومحلياً -، ولكن ذلك لا يعني أبداً الاستسلام لمنطق التفسير التآمري للتاريخ الذي يقودنا إلى نتائج خاطئة ومواقف غامضة وتفسيرات ليست بالضرورة سليمة ولا صحيحة، وقد كنا نتندر دائماً بأن الأطباء حين يعجزهم تشخيص مرض ما، فإنهم يقولون إنه نوع من الحساسية، والأمر نفسه يحدث بين الساسة عندما يعوزهم التفسير الصحيح والتوصيف الدقيق لحدث معين أو موقف ما، فإنهم يقولون إنها مؤامرة، فعلى وزن «الحساسية الطبية» تأتي «المؤامرة السياسية»، ونحن مغرمون في هذا الجزء من العالم بإلقاء التبعة دائماً على ذلك التفسير الغامض للتاريخ والذي نراه فقط سلسلة من المؤامرات في إطار متغير تستعيد فيه الأحداث سياقها مرة بعد أخرى، ونحن نردد في ارتياح (إنها مؤامرة كبرى) من دون أن نفطن إلى أن مثل هذا التفسير النمطي يعدم روح المبادرة وينفي القدرة على تغيير مسار الأحداث والاكتفاء فقط بالبكاء على الأطلال والحزن على اللبن المسكوب … إن المؤامرة موجودة ولكن ذلك لا يبرر التفسير التآمري لكل الأحداث.
ثالثاً: من المفترض تاريخياً أن الثورات الشعبية تسعى بعد خمود نيرانها إلى الاتجاه نحو برنامج إصلاحي طويل المدى يقوم على الرؤية البعيدة، وتتصور الشعوب وهماً أن النهضة والرقي سيسعيان إليها على طبق من فضة وهذا تفكير واهم وتصور مغلوط، إذ إن الذي يحدث هو أن الشعوب التي خرجت من رحم المعاناة والتي تمثلت في القهر والعوز، أي الاستبداد والفساد تكون محتاجة إلى تضحيات جديدة ولكن من نوع مختلف، إذ إن «فاتورة الإصلاح» غالية، كما أن «روشتة النهوض» عالية الكلفة، فهي بحق كالدواء المُر، فإذا أردت أن تنقذ الاقتصاد المصري – على سبيل المثال – وهو يكاد يحتضر في غرفة الإنعاش، فإن عليك القيام بتغييرات جذرية تتناول قضايا الدعم السلعي والخدمي في محاولة للوصول بالسلعة أو الخدمة الى سعرها الحقيقي وهو أمرٌ صعب خصوصاً على الطبقات الفقيرة وأصحاب الشرائح الدنيا من الدخل، ولعل الحالة المصرية هي نموذج لذلك، فقد أفرط المصريون في التفاؤل وارتفع سطح توقعاتهم من الرئيس الجديد لكي يصبح بغير حدود وكأن لديه «عصا موسى» أو هو صانع المعجزات والأمر ليس كذلك على الإطلاق، فثورات «الربيع العربي» خلّفت وراءها مشكلات وأزمات وقضايا معقدة تكاد تطيح المعنى الحقيقي لتلك الثورات ولتجعلها بحق ثورات ذات أشواك ولا تعرف الورود والزهور، وهنا تظهر المعادلة الصعبة أمام الحكام الجدد الذين جاءوا في أعقاب الثورات، فالجماهير تطلب منهم ما لا يستطيعون وتتوقع أن يأتي على أيديهم الرخاء المفاجئ والجنة الواعدة، وهذا غير ممكن على الإطلاق، فالدول لا تعيش على الإعانات والقروض والشعوب لا تأكل شعارات وطنية أو وعوداً براقة أو أحلاماً وردية، وهنا تكمن المعضلة ويظهر جوهر المشكلة!
رابعاً: لا يمكن تناول ظاهرة الثورات العربية في الأعوام الأخيرة من دون تحديد موقف القوى الكبرى منها ومحاولة استثمارها لمصالحها الإقليمية في المنطقة، وإذا كنا نتذكر دائماً العبارة الشهيرة لوزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس عن «الفوضى الخلاقة»، فإننا نتذكر أيضاً الدور الأميركي في ما جرى ويجري في غرب آسيا وشمال أفريقيا، وإذا كان البعض يتصور أن التاريخ يلملم أوراقه وأن ما جرى قد جرى ويجب التأقلم معه والقبول بالأمر الواقع، إذا كان الأمر كذلك فإننا نتساءل عن جدوى مواصلة السياسة الأميركية لدورها الذي لا يتسق مع المصالح الوطنية في دول المنطقة بل ويشير إلى استمرار واشنطن في توتير المناخ الدولي وتسميم الأجواء وتعظيم آثار الاضطرابات الداخلية في دول «الربيع العربي» بما يؤدي إلى استمرار الحاجة الى مباركة الولايات المتحدة الأميركية للسياسات الخارجية والممارسات الداخلية للدول العربية. فالوصاية الأجنبية ودور الأبوية الأميركية في دعم تيارات سياسية أو دينية في العالم الإسلامي هما تحويل «الربيع العربي» إلى «خريف قومي» حيث تحصد الشعوب في النهاية اضطرابات ومشكلات وأحزاناً. إن المناخ الدولي الذي تصنعه الدول الكبرى المؤثرة في خريطة الأحداث يدعو الدول العربية – بربيعها وخريفها – إلى ضرورة استيعاب الدرس والتركيز على البناء الداخلي واللجوء إلى «التيار القومي»، وقد كتب إلينا الدكتور خير الدين حسيب مؤسس ورئيس «مركز دراسات الوحدة العربية» وصاحب الإسهام الطويل في تاريخ الحركة القومية والعمل العربي المشترك داعماً وجهة نظرنا التي طرحناها عن ضرورة مواجهة «التيار القومي» للتعصب الديني في العالم العربي، فالذي يبني المستقبل هو الوعي العربي والصحوة القومية وليس «داعش» وغيره من التنظيمات الوافدة علينا!
هذه ملاحظات نطرحها بتفاؤل مشوب بالحذر لأن ما شهدناه في الأعوام الماضية على مسرح الأحداث في بعض دول ما يسمى بـ «الربيع العربي» وأخص بالذكر مصر وليبيا وتونس إنما هو مؤشر لحالة الارتباك التي تمر بها تلك الأقطار الثلاثة، إضافة إلى المأساة السورية والكارثة العراقية، وقد استدعت كلها فلول الإرهاب الدولي لتتسلل إلى المنطقة العربية فأصبحنا نحصد الأشواك بعدما ظننا – في غمار «الربيع العربي» – أننا سنجمع الزهور!
“الحياة” اللندنية