الرئيسية / وجهات نظر / من مصراتة إلى الموصل… مقاتلون ومقتولون
1499278ca3c3e0f04b985c04d5736080

من مصراتة إلى الموصل… مقاتلون ومقتولون

لم يتسنّ لـ»الجهادي» الليبي أبو أسامة المصراتي أن يباشر مهامه والياً لـ «داعش» شرق العراق، حتى طالعتنا أنباء عن مقتله بتفجير مدبّر، وكأن سوء المصير يلاحق الليبيين أينما حلوا… مقاتلين أو مقتولين.
وبغض النظر عن صحة تلك الأنباء، فان «أبو أسامة» ليس سوى واحد من آلاف المقاتلين من ليبيا وشمال أفريقيا الذين زُجَّ بهم في آتون «الجهاد» في سورية من جانب المجلس الانتقالي في بنغازي الذي نُصّب لقيادة الانتفاضة على نظام معمر القذافي في «17 فبراير» (2011) … خطوة «تضامن» اعتبرها كثيرون في ليبيا آنذاك، انغماساً في اللعبة الإقليمية لا مردود له سوى «حرق الأصابع»، وبررها «صقور» المجلس، بـ «واجب التعاطف الأخوي مع الثائرين على استبداد يحاكي ممارسات الديكتاتور الليبي». ولم يكن لأحد أن يتنبأ بأن نظرية «تصدير الثورة» تلك سينتهي بها المطاف في الموصل!
والواقع أنه في أقصى القراءات السياسية سذاجة، لا يمكن اعتبار تحويل الليبيين وقوداً في حروب بعيداً عن ارضهم، سوى استخفاف بمصائرهم، موروث من عهد القذافي، وربما يخفي أيضاً استنزافاً لثروات بلدهم في صراعات خارجية لا ناقة لهم فيها ولا جمل، كما كان الحال في عهد «الجماهيرية العظمى».
هكذا تحوّل الليبيون القوة الثانية في جيش يعدّ حوالى 11 ألف مقاتل (نصفهم أجانب)، عقيدته العسكرية التي أعلن عنها أبو بكر البغدادي في خطاب تنصيب نفسه «خليفة»، هي ترتيب شؤون البيت الداخلي ومناصبة العداء للأنظمة العربية، متفادياً في شكل ملفت، الأدبيات العدائية تجاه الإيرانيين التي طبعت خطاب «القاعدة وأخواتها» على مدى عقدين. أما «التنوع العرقي»، فلا يعني سوى «الخضوع»، ودون ذلك، الهجرة للأقليات، وإذا اقتدرت، فلتجد لها بقعاً أخرى تعلن عليها دويلاتها!
…هكذا أيضاً ينتهي الأمر بشعار «بلاد العرب أوطاني»، لتتحول ساحات اقتتال على انقاض دول، من دون إغفال «ضرورة» تأجيل الاشتباك مع «الكيان الصهيوني»، ريثما تُستكمل عملية الترتيب الداخلية تلك، بمعزل عما يواجهه «الإخوة» الفلسطينيون من عدوان.
كان على «الخليفة الداعشي» أن ينصب المصراتي مؤتمناً من جانبه حاكماً للخاصرة الشرقية لدويلته على خط التماس مع إيران، ليضمن استتباب الأوضاع في تلك المنطقة، ذلك أن الأولوية هي الجبهة مع نظام بغداد، وكأن قدر العراقيين أن يتقاتلوا إلى ما لا نهاية، أو أن يقتلهم متطوعون متشددون قادمون من مختلف أصقاع الأرض، من شمال أفريقيا وأوروبا والقوقاز وغيرها.
والنتيجة أنه لو قدّر للنظامين الإيراني والسوري البحث عن واقع مؤات لهم في الصراع، لما استنبطوا صيغة أفضل من «داعش». وطالما أن النفط يتدفق، فما من مشكلة لدى الغرب.
كان «الجهاديون» استُخدموا قبل ذلك بسنوات لإسقاط النظام الذي نصّبه السوفيات في كابول، ثم أسقطوا بدورهم على يد حركة «طالبان» الأكثر تشدداً في الممارسة وأيضاً في العصبية العرقية، والتي أبقت جرح الانقسامات مفتوحاً في أفغانستان إلى يومنا هذا. وبرز من «الجهاديين» من سلك نهجاً «إرهابياً» اقتضى التصدي له من جانب داعميهم الأساسيين، من دون أن يؤدي ذلك سوى إلى انتشار ظاهرة الموت والدمار، وإثارة «فوبيا» ضد الإسلام، في عوالم لا يهمها كثيراً النظر في بواطن الأمور بل تكتفي بالحكم على ظواهرها.
قد يقول البسطاء منا إنها «سياسات دول، لا نفقه فيها شيئاً»، لكن أليس معظم الذين يحاولون تحليل الواقع الإقليمي المزري، بسطاء بدورهم لا يفقهون؟
“الحياة” اللندنية