الرئيسية / وجهات نظر / ألغام في تونس
7239aef44a9a0c5fd7656f22b138126f

ألغام في تونس

ما انفكّت تونس تتلقّى ضربات إرهابية موجعة منذ اغتيال قياديي الجبهة الشعبية؛ الشهيدين شكري بلعيد يوم 6 فبراير 2013 ومحمد براهمي يوم 25 يوليو 2013. وكان رمضان الماضي مُرًّا على التونسيّين مرارة شديدة، حيث شهدوا عملية إرهابية مرعبة ذهبت ضحيتها مجموعة من الجنود تعرضت لكمين غادر في جبل الشعانبي خربت إثره أجسادهم بالرصاص، قبل أن يتمّ الإجهاز عليهم ذبحا.
ولم يكن رمضان هذه السنة أقل مرارة، حيث خسرت تونس حياة أربعة جنود في جبال ورغة في جندوبة شمال غرب تونس، بعد أن انفجر لغم على آليتهم. واللغم هو سلاح الجبناء ينصبه الإرهابي المدْبِر الهارب، للجندي المقبل المهاجم. فالإرهابي التكفيري رغم ما يبديه من صلف وتعنّت، ليس أكثر من جبان متخف منتقل من حفرة إلى حفرة، هارب من نزال الشرف ضدّ حماة الوطن. اللغم ليس سلاح مواجهة، وإنّما هو مصيدة تنصب للوطنيّين الشجعان من الأمنيين والعسكريين.
وبين رمضان ورمضان، لم يتوقّف الدم التونسي عن السيلان. وكان أغلبه إثر كمائن أو ألغام أو هجومات مباغتة خاطفة. ويبدو أنّ العلاقة بين الإرهابيين والأمنيين قد دخلت مرحلة الفعل وردّ الفعل، رغم نجاح الأجهزة الأمنيّة في استباق بعض المخطّطات وتفكيك بعض الخلايا وإبطال بعض عمليّات تهريب الأسلحة والإرهابيّين قبل أن تتمّ.
الخسائر التي خلّفها الإرهاب التكفيري تكبّدتها الجبهة الشعبيّة بخسارتها لقائدين من قادتها، أوّلا، وأبناء الفئات الضعيفة والجهات المحرومة المنخرطين في سلك الأمن والجيش الوطنيّين، ثانيا، والجهات المفقّرة، ثالثا. ولا غرابة في هذا، إذ بين ثلاثتها روابط بنيويّة متينة. فالجبهة الشعبيّة طرف سياسي لصيق بالفئات الضعيفة وبالجهات المحرومة، وهي تدافع عن حقّ أبنائها في التنمية والكرامة والتشغيل. والجبهة عبر بياناتها ومظاهراتها ومسيراتها واعتصاماتها لا تجامل في دفاعها هذا ولا تهادن. ولذلك يتمّ استهداف قادتها، أبناء الشعب، بسبب وفائهم لأهداف الثورة وتمسكهم بمكاسب تونس ونضالهم من أجل التقدم والعدالة الاجتماعية، وتصدّيهم لمحاولات الالتفاف على الثورة والانحراف بها نحو المشاريع الأيديولوجية الرجعية، الموالية لجهات أجنبية مشبوهة.
وتجدر الملاحظة أنّ إقليم الشمال الغربي التونسي، الذي خلّفت فيه الخيارات السياسية والاقتصادية للحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي الفقر والتهميش واستفحال البطالة رغم ما يزخر به من ثروات فلاحية ومائية وطبيعية، هو الجهة التي تتحمل اليوم أثقل نتائج سياسات الترويكا، والتي من أشدها ثقلا توطن الإرهاب الذي يزرع الألغام ويحصد أرواح الأبرياء.
فلقد أتاحت الجبال للإرهابيين التونسيين انضمام عناصر من جنسيات أخرى إليهم، حيث أثبتت الاستعلامات العسكرية والأمنية أن ليبيين وجزائريين وماليين يوجدون ضمن الخلايا الإرهابية المتمركزة في الجبال. وأكد إرهابيون تونسيون مقبوض عليهم أن قادتهم الميدانيين جزائريو الجنسية. ولهذا الوضع دلالات أهمها أن فلول الإسلاميين الذين رفضوا المصالحة الوطنية الجزائرية، واستمروا في حمل السلاح في وجه دولتهم وجدوا أخيرا متنفسا جيوستراتيجيا لهم في تونس، بعد أن كانت محصنة ضدهم حتى في لحظات مدهم العاتي في التسعينات. ونظرا إلى خبرتهم في تنظيم العمليات ونصب الكمائن ومسك السلاح استلموا قيادة الخلايا التونسية الملتحقة حديثا بالنشاط الإرهابي.
ولم يتمركز الإرهابيون في الجبال إلا بعد أن ضيق الأمن والجيش التونسيان الخناق عليهم داخل المدن، ففروا وانتصبوا في جبال المناطق الشمالية الغربية والوسطية الغربية التونسية في مناطق القصرين والكاف وجندوبة. وهم يفضلون هذه المناطق لتوفرها على مخابئ جبلية، ولقربها من الحدود الجزائرية، حيث يأتي الدعم البشري واللوجستي والتمويني والسلاح والألغام.
لابد من التأكيد على أن هذه الجنسيات المرابطة في الجبال التونسية تترصد ساستها وعساكرها وتهدد أمنها، لم يتيسر لها ذلك عبر الحدود الخارجية، وإنما من الداخل جاؤوا. فقد نشطت جمعيات التكفير وخلايا الإرهاب داخل المدن وفي العلن طيلة حكومة الباجي قائد السبسي مستغلة حالة التراخي الأمني، والعجلة في تفكيك المخابرات البوليسية، والانشغال بالانتخابات. كما استفادت من دعم الأحزاب الدينية المؤشر لها. فكثير من قادة هذه الأحزاب كانوا يحضرون نشاطات جمعيات الإرهاب والتكفير، وكانوا يستطيبون الدعوة إلى الجهاد في الخارج، ويبيحون تجنيد الشباب ويباركون استدعاء الدعاة الأجانب ويساهمون في استقبالهم. وكانت هذه الأبواب الأولى للإرهاب.
ولئن كانت حكومة قائد السبسي مؤقتة لا تسندها إلا شرعية توافقية ضعيفة، فإنّ حكومتي الترويكا الأولى والثانية كانتا ترفعان لواء الشرعية الانتخابية. ومع ذلك تخلت الحكومتان عن واجبهما في حماية تونس وشعبها من خطر الإرهاب. فتركتا المساجد بأيدي التكفيريين. وسمحتا لتنظيم أنصار الشريعة بعقد مؤتمره الأوّل في القيروان في مايو 2012، المؤتمر الذي حضره وحضر غيره من هذه التظاهرات قادة من حركة النهضة وحزب المؤتمر ونواب لهما في المجلس التأسيسي. وتساهلت حكومتا الترويكا مع كل مظاهر الأفغنة والانتصاب الدعوي في الأحياء والشوارع والقرى. وكانت عمليات جمع التبرعات وانتداب المجاهدين تتم في العلن وبلا مواربة. وكانت هذه هي الألغام الحقيقية الأولى التي زرعت في تونس بإشراف رسمي من حكومتي الترويكا.
وطيلة السنتين اللتين قضتهما الترويكا في الحكم، تركت القوى المدنية والسياسية التقدمية عزلاء في مواجهة هذا المد التكفيري، بعد أن تواطأت الترويكا مع أشباهها المارقين على الدولة والقانون، واستطابت ما يمارسونه من تخريب ممنهج لثورة تونس ولمكاسبها المدنية والحداثية. ونجحت هذه القوى بنضالها السلمي المدني في أن تدحر الإرهابيين من أعماق المدن إلى مغاور الجبال الغربية.
ولكن لابد أن نسجل أنه رغم الألغام التي تحصد أرواح الشهداء وتبتر أطرافهم، ورغم زخ الرصاص الغادر الذي يخترق أجساد القادة السياسيين والحماة الأمنيين والعسكريين، فإن التونسيين ليسوا على كلمة واحدة تجاه الإرهاب. فالمجلس التأسيسي الذي تسيطر عليه أغلبية نهضوية يتراخى في إصدار قانون الإرهاب، بل إن التوافق على مفهوم الإرهاب لم يحصل بعد! ووزارة الشؤون الدينيّة في حكومة التكنوقراط لم تفلح بعد في بسط سيطرتها على كل المساجد، بعد ستة أشهر من تقلّدها مقاليد الحكم.
والمواقف المتواطئة مع الإرهاب والمهادنة له من قبل وجوه سياسية عامة ما زالت تظهر من حين إلى آخر. وبعض وسائل الإعلام التابعة لحزبين من الترويكا ظلت على تمترسها في مواقف التبرير للإرهاب، والتشكيك في الروايات حوله، والتهوين من خطره. وهي وفية في فتح منابرها لشخصيات معروفة بدعمها للإرهاب.
فكيف ستنجح تونس في مقاومة الإرهاب في ظل هذا الواقع المشقوق بنوعين من الإرهاب؛ واحد مسلّح في الجبال يزرع الألغام المتفجرة في الأرض، وآخر غير معلن مندس في الأحزاب الدينية، يزرع الألغام الفَتَوية والعقائدية في الأذهان؟ والخوف أن تفوز الأطراف التي شجعت الإرهاب في الانتخابات القادمة، فعندها ستكون نهاية تونس المدنية، وسيعلن الإرهاب انتصاره، وسيترجل من الجبال عائدا إلى المدن، ليستأنف مشروعه الاستخلافي الذي يحلم به.    
“العرب”