الرئيسية / وجهات نظر / هكذا يؤهل الغرب النظام الجزائري دائما
النظام الجزائري

هكذا يؤهل الغرب النظام الجزائري دائما

خلال هـذا الأسبوع تمكـن النظام الجزائري من تقديم نفسه مجددا كبطل مزعوم للمقاومة الوطنية ضد ما سماه الإعلام الجزائري الرسمي وبعض وسائل الإعلام التابعة للقطاع الخاص المتشبثة بحبل هذا النظام الغليظ، بالأطماع الفرنسية القديمة – الجديدة التي تمثلت هذه المرة، حسب هذه الأجهزة الإعلامية، في محاولات الشركة الفرنسية الشهيرة بيجو لصناعات السيارات اغتصاب السيادة العليا للجزائر المستقلة.
في هذا السياق أعلنت وسائل الإعلام أن الوزير الأول الجزائري، عبدالمالك سلال، قد استخدم الفيتو الذي بموجبه أسفرت بطولته عن تجميد تنفيذ مشروع تركيب السيارات، التي كان من المنتظر أن ينتجها في الجزائر مصنع بيجو.
هنا نتساءل هل نحن فعلا أمام موقف مبدئي حقيقي يؤمن به النظام الجزائري وسيبقى متمسكا به، أم أن الأمر ليس سوى لعبة مسرحية عابرة يراد بها تأهيل هذا النظام بطرق ملتوية حتى يظهر أمام المواطنين الجزائريين من خلال أحد رموزه وهو عبدالمالك سلال بأن مبدأ سيادة الجزائر خط أحمر عنده؟
وفي الحقيقة فإن المرجح هو أن النظام الجزائري لن يقفز فوق الخطوط المرسومة له، ولن يمس بمصالح فرنسا الحقيقية المهيمنة في الجزائر، والتي يرصدها تقرير جزائري مبرزا أن الدولة الفرنسية “تعد الشريك الاقتصادي الأول للجزائر، وتصدر إلى الجزائر ما قيمته 6.30 مليار دولار أميركي، وتأتي في المرتبة الثانية في تموين السوق الجزائرية بعد الصين، فيما تحتل فرنسا المرتبة الأولى من حيث تواجد الشركات والمؤسسات الفرنسية في مجال الاستثمار في الجزائر”، ولأن المس سلبيا بكل هذه المصالح يعني دخول الجزائر في صراع حقيقي ليس مع فرنسا فقط، وإنما مع الاتحاد الأوروبي الذي تملك فرنسا الكثير من مفاتيح صنع قراراته ذات الصلة بالجزائر.
من هنا يمكن لنا إدراك أن زوبعة تجميد مشروع تركيب سيارات شركة بيجو هو قرار ذو طبيعة سيكولوجية انفعالية لا يمس جوهر الهيمنة الفرنسية في مستعمرتها سابقا، بل سوف يتم التراجع عنه في المدى المنظور، كما أن قرار السلطات الجزائرية بعدم السماح لطاقمي جريدة لوموند وكنال بلوس الفرنسيتين بمرافقة وتغطية نشاطات الوزير الأول الفرنسي مانويل فالس حين زار الجزائر السبت الماضي هو تعبير عن موقف ضعيف لأن الموقف الصحيح يفترض أن يكون متمثلا في التكذيب الرسمي المؤسس على الحجة الدامغة لهذين المنبرين الإعلاميين الفرنسيين، وذلك بواسطة تقديم الحقائق المضادة التي تسقط مضمون ما نشرته لوموند وما بثته قناة كنال بلوس إذا كان الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة والمسؤولون الجزائريون بريئين حقيقة، وكان المفروض أيضا متابعة القضية قانونيا وذلك برفع دعوى قضائية من طرف الحكومة الجزائرية ضدهما وذلك عملا بالتقاليد الديمقراطية في التعامل مع المنابر الإعلامية التي تقوم بنشر وتعميم المعلومات الكاذبة أو تمس بأعراض وشرف الناس.
وفي الواقع فـإن صحيفـة لوموند المعروفة بمهنيتها دوليا وتلك القناة التلفزيونية التي تخاطب الملايين في فرنسا وأوروبا والعالم لم تخترعا شيئا يتجاوز الحقائق والمعلومات التي فجرتها أوراق بنما أمام الرأي العام الدولي، وهذا ما ذكره الإعلامي الجزائري عثمان لحياني في تقريره المنشور في الجزائر عن هذه الأزمة التي اندلعت بين النظام الجزائري وبين هذين المنبرين الإعلاميين الفرنسيين قائلا إن “صحيفة لوموند الفرنسية نشرت على صفحتها الأولى في عدد سابق صورة للرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، ضمن صور زعماء وقادة دول قالت إنهم أو محيطهم متورطون في فضيحة أوراق بنما التي تتعلق بتهم فساد وتهرب ضريبي على نطاق واسع من خلال شركات في بنما، ما أثار احتجاج السلطات الجزائرية التي اعتبرت الأمر مساسا برموزها، وحملة إعلاميـة تشنها صحف فرنسية ضد الجزائر”.
لا شك أن اكتفاء النظام الجزائري باستدعاء سفير فرنسا لدى الجزائر وإعلانه عدم الرضى عن إدراج هذين المنبرين اسم الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة في الفضيحة التي فجرتها أوراق بنما لن تكون له تداعيات أخرى ترتد على هذا النظام نفسه في الوقت الذي يتخبط في أزمة اقتصادية حادة، فضلا عن أزمة الشرعية المركبة التي يعاني منها منذ خرق الدستور وفرض العهدتين الثالثة والرابعة المتناقضتين مع مبادئ تداول السلطة في ظل الشفافية واحترام قوانين الدولة.
يبدو واضحا من تجارب الماضي والحاضر أنه كلما ضاقت السبل بالنظام الجزائري، الغارق في الفساد المالي والاحتباس الحراري السياسي والاجتماعي وفي الفشل الذريع في إنجاز التنمية الوطنية الحديثة، فضلا عن تكريسه للأزمة الاقتصادية التي يحوم شبحها في الجزائر العميقة، فإنه يجد منقذا أو عدة منقذين في الضفة الأوروبية بشكل خاص، وفي بعض جيوب آسيا ينفخ الأوكسجين المعنوي في مفاصله ويجعله يبدو أمام الرأي العام الجزائري بطلا للوطنية والحريص على مصلحة البلاد وسيادة قراراتها.
لقد حدث هذا في أعقاب العشرية الدموية، وذلك عندما شرعت محكمة العدل الدولية بلاهاي في إعداد القوائم بأسماء الشخصيات الجزائرية من بينها مسؤولون كبار في أجهزة النظام الحاكم التي كان يشتبه فيها أنها تورطت في ذلك الوقت في دورة العنف الدموي، ولكن مساعي محكمة لاهاي وضعت في ثلاجة الموتى مباشرة بعد توجيه تنظيم القاعدة الضربة الموجعـة في 11 سبتمبر 2001.
في تلك اللحظات الدرامية استغل النظام الجزائري تلك الحادثة الكبرى، وراح يقدم نفسه بأنه حامي حمى الأمن الدولي من الإرهاب، وبذلك توج شريكا لإدارة جورج بوش التي قدمت له المكافأة حينما لعبت دورا مفصليا من وراء الكواليس، لم يكتب عن تفاصيل أسراره حتى الآن، في تسهيل عملية تفاوض النظام الجزائري مع البنك الدولي لدفع الديون الجزائرية التي كانت تقدر، آنذاك، بثلاثين مليار دولار من دون تبعات سياسية ومالية ناجمة عن مسحها من الخارطة قبل الموعد القانوني المتفق على مدته بين الطرف الجزائري وبين الأطراف الدائنة. في تلك الفترة كان أسامة بن لادن منقذ النظام الجزائري.
وقبل حدوث ذلك السيناريو بسنوات قليلة، وتحديدا في فترتي حكم الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، ثم اليامين زروال، دخلت الجزائر في أزمة اقتصادية مالية خانقة، حيث اقتـرب النظام الجزائري حينذاك من إعلان إفلاس البلاد بشكل كامل، ولكن جميع التسريبات التي ظهرت في ذلك الوقت أكدت أن الصندوق الدولي هو الذي أوقف ذلك الإعلان جراء تدخلات الدول والمؤسسات المالية الدولية التي اقترضت منها الجزائر المليارات من الدولارات خوفا من أن يؤدي ترسيم الإفلاس الجزائري بمباركة دولية إلى سقوط كل تلك الديون بموجب القانون الـدولي المعـروف بهذا الشأن.
هكذا تم إنقاذ النظام الجزائري من الانهيار ومن الإقصاء من الحياة السياسية الجزائرية في ذلك الوقت، أما في هذه المرة فإن تجميـد مشـروع مصنع بيجو في الجـزائر قد وفر للنظام الجزائري فرصة أخرى ليظهر نفسه أمام الشعب الجزائري، المدثر دائما بالنوستالجيا إلى تراث حركة التحرر الوطني، وكأنه المقاوم والمدافع عن أمن البلاد الاقتصادي وعن سيادته الوطنية العليا.

كاتب جزائري/”العرب”