الرئيسية / وجهات نظر / ويسألونك عن الثورات
الثورات

ويسألونك عن الثورات

لن يُنسى بسهولة ذلك التونسي الرائع ولا لهفته، ونسائم الحرية تلفح وجهه وشعره الفضيّ، وتشاركه مخارج الحروف: «هرمنا ونحن ننتظر هذه اللحظة»، معلنًا بداية زمن الحرية والثورة على الظلم. ثمة سؤال يتردّد يوميًا ويتكرّر على ألسنة المواطنين العرب وسياسييهم، وفي صحفهم ووسائل إعلامهم، عن نجاح الثورات العربية أو إخفاقها في تحقيق أهدافها. ولعلّ من الصعوبة الحصول اليوم على إجابة واضحة وحاسمة، ولو بعد خمس سنوات على ما سُميّ بـ «الربيع العربي».
لكن ما هو معروف أن المتضرّرين من هذه الثورات، ولا سيّما الأنظمة المتضررة والخائفة من تمدّد الحراك نحوها، بذلت جهودًا مضنية وما تزال، من أجل تجويف الثورات، وحرفها عن مسارها الحقيقي. تجلّى ذلك في غير شاهد وحادثة ومعركة، ووصل الأمر إلى ولادة ثورة من رحم الثورة. ولذلك بحثٌ آخر.
ولكن حدثًا جديدًا اقتحم المشهد السياسي حاليًا، وشكّل صدمة مدوّية، تمثَّل في تعيين وزير خارجية حسني مبارك السابق أحمد أبو الغيط، على رأس الأمانة العامة للجامعة العربية، بعدما انتهت ولاية نبيل العربي، وعدم موافقته على التمديد.
وللأمانة، ثمّة أسئلة إشكالية كثيرة يحتاج المواطن العربي إلى إجابات عليها، منها: هل قلّتِ الرجال وانعدمت الكفاءات والنخب السياسية في بلد جمال عبد الناصر ومحمد حسنين هيكل ونجيب محفوظ وسعد زغلول وأسامة أنور عكاشة وأحمد فؤاد نجم، حتى يعود أبو الغيط وجهًا لمصر والعرب من جديد؟ وهل استحال على النظام العربي أن يجد شخصية موالية له، حتى يُعيد الى الحياة شخصية لفَظَتْها مظاهرات «٢٥ يناير»، وشبابها؟ إنّ إحياء هذا الوزير هو تيئيس للشعب المصري والعربي من إمكانية التغيير بعد كل التضحيات، وهو استفزاز للثوار والمتعاطفين معهم، من أنّ كل التضحيات والسهر في الميادين، لن تغيّر شيئًا في ما كتبته الأنظمة على هذه الشعوب. وما الذريعة القائلة باختيار أبي الغيط كونه «قدّم خدمات كبيرة لمصر»، وكونه الشخصية الأكبر سنًا في السلك الديبلوماسي المصري (74 عامًا)، إلا شاهد إضافي على أنّ الثورة المصرية لم تنجح إلى الآن، إلّا في تغيير رأس النظام المخلوع.
وإذا ما أحسنّا النيات، نسأل أيضًا: هل عجزت المؤسسات العربية عن إنتاج النخب والكوادر والكفاءات؟ أم أنّها بطاقة النعي الرسمية لما سميّ يومًا بالجامعة العربية، بعد التراجع المخيف لدورها المحدود أصلًا، ولا سيما في السنوات الخمس الماضية؟ وهل استقال عقل النظام العربي، إلا من حياكة المؤامرات، حتى يعود إلى بعث أبي الغيط من بين الأموات؟
إن إحياء هذه الشخصية، هي رسالة من بعض العرب الى المقاومة في لبنان التي شهدت فترة تولّيه رئاسة ديبلوماسية مصر المرحلة الأكثر توترًا وسوءًا بينها وبين النظام المصري المخلوع، إثر ما عرف بقضية خلية سامي شهاب. وهي رسالة إلى المقاومة الفلسطينية أيضًا، لارتباط الذاكرة القريبة بأحداث مؤسفة ومُخزية، وما مشهد الودّ الفائض بينه وبين تسيبي ليفني، وفي وقوفه إلى يمينها، وهي ترعد وتزبد وتتوعّد الفلسطينيين المحاصرين في غزة، قبيل انطلاق عملية الرصاص المسكوب في العام 2008، إلا دليلٌ على ما نقول.
ويسألونك عن الثورات وعن «الربيع»، ولماذا لم تنجح هذه الثورات في تغيير الأنظمة، بل ونسفها، وبناء نظام جديد يتعارض كليًّا مع تركتها الثقيلة والمخزية، من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والإنسانية؟ نظام يستأصل كل مَن كان شريكًا او موافقًا على ظلم الشعوب ونهبها وإراقة دمائها، وماء وجهها.
لعلّ ما حصل في الأيام القليلة الماضية يستطيع أن يوضح بعضًا من غموض الصورة وكآبتها.

إقرأ أيضا: النمط السياسيّ العربيّ بعد الثورات

لقد سيطر مشهدان مفصليان قد يساعدان المتابع في تلمّس الطريق، وفي كيفية قراءة مزاج الشارع العربي بعد الثورات، لا سيّما في الأقطار التي سقطت فيها رؤوس الأنظمة.
المشهد الأول هو ما حصل في مصر، وتحديدًا مع النائب المطبّع توفيق عكاشة، ودعوته السفير الصهيوني الى منزله، والتشاور معه في الأمور السياسية، ومن ثم ردّة فعل البرلمان المصري التي اختصرت بخاتمتين: الأولى ضرب النائب بالحذاء من أحد النواب المصريين. والثاني طرده من البرلمان، بعد تصويت أكثرية من النواب المصريين فاقت الثلثين لإسقاط نيابته. وهذه حادثة بالغة الدلالة، وتدلّ على أن كل الجهود التي قام بها نظاما السادات ومبارك وحلفاؤهما من أجل تغيير وجهة الشعب المصري وتطلعاته القومية، وعدائه للكيان الإسرائيلي، وما تحاول بعض الأنظمة المتواطئة من توجيه خيارات هذا الشعب نحو مواقف لا يرضاها؛ قد باءت بالفشل الواضح.
المشهد الثاني، وهو تصنيف المقاومة اللبنانية الممثلة بـ «حزب الله» كمنظمة إرهابية، بقرار مشبوه من «مجلس التعاون الخليجي»، ومهرّب من مجلس وزراء الداخلية العرب، في الوقت الذي يُحكى عن لقاءاتٍ وتنسيقٍ وغزلٍ، بين بعض المسؤولين الخليجيين والإسرائيليين، وعدم نفي هذه الأخبار، أو تكذيبها، بالإضافة الى الفرح الإسرائيلي بهذا القرار، «ومباركته».
لذلك بإمكاننا أن نتلمّس بعض النتائج الأوليّة مما حدث:
أولاً: إنّ ردة الفعل الشعبية والحزبية التونسية والمصرية والجزائرية وغيرها، أثبتت أن الشعب العربي لا يزال فيه الكثير من الخير والوعي، وهو قادر على الوقوف في وجه الحكام والصراخ في وجوههم، معترضًا على القرارات المعلّبة والفوقية التي تُفرض عليه. وأن الشعوب العربية كانت ولا زالت تملك رؤية سياسية مغايرة تمامًا لما يُفرض عليها، برغم الكمّ الهائل من السموم التي يُقذَفُ بها عقلُ المتلقي العربي عبر وسائل الإعلام، وعبر الأقلام المأجورة والأصوات المزيفة، والاحصائيات المغلوطة والمشبوهة.
ثانيًا: يشير ما تقدّم، إلى أنّ جذوة الثورات العربية ما زالت مشتعلة، وأن محاولة استيعابها وتطويقها وإطفائها، أو إجهاضها لم تؤتِ أُكُلها. وما إن فُرِضَ قرارٌ بحجم تصنيف المقاومة كتنظيم إرهابي نفسَه على المشهد السياسي، حتى هبّ الكثيرُ رافضًا ومعترضًا، وناسفًا كل ما حاول إعلاميو النفط وسياسيوه وكَتَبَتُه من تشويه لصورة المقاومة في الوجدان العربي، وأنّ الشعوب لن ترضى بسحبها إلى الوراء، وإسكاتها وقمعها، بذرائع واهية، اقتصادية تسوّلية حينًا، وأمنية قُطْرية حينًا، ومذهبية وطائفية حينًا آخر، بحيث يتم الفصل بين مواقف الشعب المصري والتونسي والجزائري، وبالتالي العربي، وبين المقاومة وفلسطين كقضية مركزية حاضرة في وجدان الأجيال العربية، برغم الجهود الجبارة التي تُبذَل لطمس هذه القضية والتخلص منها، والتبرؤ من المسؤولية العربية والإسلامية والإنسانية حيالها.
ثالثًا: إنّ من الدوافع التي شغلت حق الصدارة في الحراك العربي، بموازاة تطلّع الشباب الى الحرية، والتحرّر من ظلم الأنظمة وقمعها، بالإضافة إلى الموضوع الاقتصادي المعيشي الذي تحاول بعض ممالك النفط تطويع الدول ببعض الفتات لضمان ولائها، وعدم الاعتراض على قراراتها؛ هو وقوف الأنظمة المتواطئ مع الكيان الإسرائيلي ومساعدته، والدعاء له، ومنع الشعوب حتى من التعبير عن تضامنها مع مقاومة لبنان وفلسطين في الحروب التي خاضتها بمواجهة العدو الإسرائيلي.
نستطيع القول إذًا، إنّ العالم العربي يعيش حاليًا في استراحة بين شوطي المعركة، والظاهر أنّ التقييم الأوّلي للثورات بدأ بالتبلور والظهور، وأنّ الرهان على أنّ ما قبل الثورات كما بعدها، قد خاب منذ الاختبار الأول، وأنّ المحبطين من إمكانية نجاح الثورات وتغيير الأنظمة، وليس رؤوسها فقط، عليهم أن يبدوا بعض التفاؤل والأمل، بانتظار المقبل من الأيام.

كاتب صحفي/”السفير”