الرئيسية / وجهات نظر / الانتصار الكروي للجزائر
e8d7905e3ae396b97e7467ca3d2281ab

الانتصار الكروي للجزائر

بعض النصر وإنْ كان رياضياً، يتعدى مفعوله حال الانكسار، ومن فرط الهزائم المتلاحقة صار التحدي الكروي بديلاً لمعارك أخرى، كونه يُدخل الفرح إلى القلوب وينعش الآمال في أن ما يصعب تحقيقه سياسياً وعسكرياً يستحيل إلى انتشاء شعبي رياضياً.
ليست المرة الأولى التي انتقل فيها فريق كروي عربي إلى الدور الثاني، لكن الجزائريين، كما العرب جميعاً، في حاجة إلى تضميد الجراح، عبر إبراز أن المستحيل في كرة القدم تحديداً ليس بعيداً، وأن الرياضيين كما كل الأجناس والأعراق، لا تفرق بين قدراتهم غير مظاهر التأهيل التي تشمل التدريب والخطط وطول النفس. لذلك جرى استبدال نكسات وإحباطات سياسية واجتماعية بانتصارات كروية.
أعطيت أهمية أكبر لمنتخب العراق في كرة القدم، يوم كانت البلاد تحت أسر الغزو الأميركي، وذهبت أوساط إلى وصف صموده في مباريات إقليمية ودولية أنه إيذان بانبثاق الإنسان العراقي الجديد بعد إطاحة نظام صدام حسين، ثم تبين لاحقاً أن البلاد تنخرها صراعات وتناحرات طائفية ومذهبية، أين منها حساسيات الهزائم الرياضية. وعلى منوال التمسك بخشبة الإنقاذ أثناء السباحة، جرى تصوير مشاركة الفريق الليبي في نهائيات كأس أفريقيا للأمم بمثابة دحض لاحتقار نظام العقيد القذافي للكفاءات والمواهب. غير أن الأزمة الليبية التي زادت تدهوراً تراوح مكانها من دون ظهور ضوء في نهاية النفق.
يختلف الأمر في حالة الجزائر، فقد تقلصت إلى حد كبير تداعيات فترة صراع السلطة الذي أهدر أرواح مئات الآلاف من الضحايا. ولا بد أن انتصار فريقها في المنافسات الدائرة يخلق شعوراً بالاعتزاز يسري مفعوله في كل أرجاء العالم العربي. لكن لماذا تحظى الرياضة من دون غيرها بالمزيد من الاهتمام؟ الظاهرة كونية ومصدرها أن التحدي له صلة بغرائز القوة والتفوق وتكريس الروح الرياضية في المنافسات التي تنشد السلم والإخاء.
في منافسات المونديال تلتقي شعوب وقارات وأمم وحضارات. ولولا سحر الانجذاب لكرة القدم، لما استبدل الأميركيون هوايات رياضية بالانفتاح على اللعبة الجديدة التي أصبح لها روادها وجمهورها، كونها رياضة الفقراء والأغنياء. وإن كان البرازيليون الذين عرفوا بشغفهم الشديد بكرة القدم تظاهروا ضد المونديال من منطلق أن التنمية أقرب إلى اللعبة الرياضية، وأن صرف بلايين الدولارات كان يجب أن يتجه إلى المرافق الإنتاجية والمنشآت العامة. غير أن استضافة حدث رياضي بهذه الأهمية لا تقل جدوى عن خطة مارشال في إعداد البنيات الأساسية واستقطاب السياح والاستثمارات.
عندما انضمت إسبانيا إلى السوق الأوروبية المشتركة، احتاجت إلى دعم أوروبي يغير وجهها. وصادف أن ترشحها لاستضافة المونديال كان أقرب إلى حشد موارد إضافية ساهمت في شق طرق المواصلات وبناء المرافق السياحية وتطوير البنيات التحتية. وتحقق لها الانتساب الأوروبي ودخول عصر الدولة الحديثة التي لم يكن لها أن تتطور من دون الانتقال الديموقراطي. والحال أن عقدة جنوب أفريقيا التي اشترك فيها العالم المتحضر الذي كان يغض الطرف عن نظام الأبارتايد، تبددت من خلال استضافتها الظاهرة الرياضية العالمية في العام ٢٠١٠، وشكل الحدث خلاصاً للأفارقة وباقي الشركاء من ماض مزعج.
عربياً لم تحظَ أي عاصمة باختيار الاستضافة، باستثناء دولة قطر التي تواجه تساؤلات حول شرعية الاختيار. لكن وضعها يختلف من حيث إمكانات تمويل حدث بهذه الأهمية، ولم يفلح المغرب في أي وقت بأن يرسو الاختيار عليه.
مرة كل أربع سنوات تنتفي الفوارق، تنوب العقول والأقدام وخطط اللعب ومظاهر التأهيل النفسي والجسدي عن التقسيم الجغرافي والاقتصادي لمكامن الثروة والتقدم والقوة الاقتصادية والعسكرية. والغريب أن «الفيفا» اهتدت إلى إشراك القارة الإفريقية بأكثر من منتخب لتأكيد تكافؤ الفرص.
تطلب الأمر سجالاً طويلاً امتد لسنوات. بيد أنه على الطرف الآخر، لم يتوصل المجتمع الدولي بعد إلى صيغة لإشراك القارة الإفريقية شبه المنسية في تأمين حضور وازن في مجلس الأمن.
السياسة تفرّق والرياضة توحد. ولا بأس من الإصغاء إلى نبض الشارع الذي يلهث وراء الفرجة والمنافسة. فما بالنا في حال كان الأمر يتطلب الاتجاه نحو بناء عالم متوازن في صنع القرارات الدولية. التجربة الكروية مثيرة، وإن كان يصعب أن تنسحب على غيرها من المجالات بيسر وسهولة. وهنيئاً للمنتخب الجزائري الذي رفع الرؤوس عالياً من أجل نسيان زمن الهزائم والانكسارات.
“الحياة” اللندنية