الرئيسية / وجهات نظر / داعش في العراق: مفاتيح طهران وأقفال واشنطن
10816f79bd9dbb94aee46acaec66e682

داعش في العراق: مفاتيح طهران وأقفال واشنطن

في علم المنطق لا يستطيعُ تنظيم داعش، المؤلّف من بضعة آلاف من المقاتلين، أن يُسقطَ محافظات ومدن عراقية على ما شهدنا في الأيام الأخيرة. وفي علم المنطق لا ينهارُ الجيش العراقي، المؤلّف من بضعة مئات من آلاف الجنود، بعد بضعة ساعات على هجوم تنظيم أبوبكر البغدادي. لكن حتى الآن، فإن الرواية الرسمية الصادرة عن حكومة المالكي وإعلامه، كما عن عواصم القرار في العالم وإعلامها، لا تفيدُ بغير ذلك.
داعش عنوان مريح لأكثر اللاعبين. قيل الكثير عن تواطؤ مزعوم بين نظام المالكي وداعش العراق، كما عن تواطؤ بين نظام الأسد وداعش سوريا. فُتحت سجون البلديْن بشكل مباشر (إفراج جماعي في سوريا) أو غير مباشر (فرار جماعي في العراق) لإطلاق القيادات الجهادية ودفعها لتنشيط تشكيلات أصولية جهادية طائفية تحمل ماءً إلى طاحونة نظامين طائفيين. انزلق الصراع في البلدين إلى ما هو طائفي يَسهلُ تعامل دمشق وبغداد معه. تولى تنظيم داعش في سوريا ضرب المعارضة السورية، فيما وفر التنظيم للمالكي مسوغا مذهبياً يمحضه بدعم الشيعة في العراق.
قيل الكثير أيضاً عن دور إيران في دعم داعش. تواطأت طهران مع فلول القاعدة بعد هزيمة أفغانستان، وأوت بعضاً من عائلة بن لادن، ثم أعادت ودمشق سَوْقَ الجهاديين باتجاه العراق لمشاغلة الأميركيين وإنهاك خططهم. في حيوية القاعديين منذ «أبومصعب الزرقاوي» انتهاء بداعش، باتت طهران تسيطر على الموالاة في العراق كما على معارضته المسلحة، وأصبح بإمكانها مقارعة العالم بكأسيْن عراقيين أحلاهما مرّ (كان لافتاً تصريح «أبو محمد العدناني» المتحدث باسم داعش منذ شهر من أن داعش “كظمت غيظها كل هذه السنين تتحمل التهم بالعمالة لألَدّ أعدائها إيران لعدم استهدافها، تاركةً الروافض ينعمون فيها بالأمن امتثالاً لأمر القاعدة للحفاظ على مصالحها وخطوط إمدادها في إيران”).
نعرف أن فصائل عديدة تحركت في الأنبار وصلاح الدين ونينوى. الحراك عشائري سني بعثي إلخ، لكن المالكي اكتفى بالتركيز على داعش وإهمال المكوّنات الأخرى، وإعلان النفير العام مستعينا بفتوى السيستاني الغريبة لحمل السلاح، مستوحياً تصريحا سابقا له يكشف فيه أن “الصراع مستمر بين أنصار علي وأنصار يزيد”.
إيران لم تر في حراك العراقيين إلا إرهاباً يعبر داعش عنه خير تعبير. في ذلك أن الشيعة يذهبون للالتصاق أكثر بدولة ولاية الفقيه، وفي ذلك أن إيران تبرّر تورطها في سوريا لتمهّد لآخر في العراق بالتفاهم والشراكة مع واشنطن، على ما تعكسه تصريحات طهران وعلى رأسها تلك للرئيس روحاني.
يستمرُ إعلام المالكي وإعلام حلفائه في العراق والمنطقة بالحديث عن هجمة إرهابية يتعرض لها البلد من قبل داعش. الإعلام الدولي كذلك، رغم أن تقارير باتت تفصح عن أبعاد أخرى للصراع. بعض الإعلام العربي بات يتحدث عن داعش والثوار، في إشارة إلى شركاء آخرين، وربما أساسيين، في حراك تتعقدُ تفاصيله وهوية أبطاله (حديث عن فصائل تحت ظل “المجالس العسكرية الموحدة” منها: الجيش الإسلامي، وكتاب ثورة العشرين، وجيش النقشبندية، وكتائب سعد، ومتطوعون من العشائر، وحركة ضباط الجيش السابق إلخ).
وإذا ما تتبعنا منطق رواية المالكي والغرب، فإن سلاح الجيش العراقي، الأميركي المصدر، يقع في يد الجماعات الإرهابية، على ما كانت واشنطن تحذّر من احتمالاته في الحالة السورية. هذا المنطق يعني فشل ما صنعته واشنطن في العراق منذ غزو عام 2003، ويستدعي تحركاً أميركيا غربياً للرد على خط أحمر انتهك. أطلت إشارات ذلك من خلال تحريك سفن أميركية في الخليج، وإبعادها، للمفارقة، قبل ذلك عن شواطئ سوريا رغم تماثل الحالتين.
على أن أمر الحالة العراقية قد يرفعُ أسعار البنزين في الولايات المتحدة حسب ما يفيدنا السناتور ليندسي غراهام. وحين تفوحُ رائحة النفط تتحرك الآلة العسكرية الأميركية بموازاة انكباب الرئيس أوباما على “درس كافة الخيارات”، فيما يرتفع صوت طوني بلير داعياً إلى تدخل غربي في سوريا لوقف التدهور في العراق. فجأة تعود الحالة السورية لتطل من النافذة العراقية بصفتها سبباً للفعل ومكمنا لعلاج محتمل.
بعض المرجعيات السنية في العراق تستيقظ على حدث داعش لتتحدث عن انتفاضة أهل السنة ضد المظلومية والتهميش (واشنطن بوست استخدمت تعبير «ثورة السنة» وهو تعبير استخدمه يوسف القرضاوي أيضا). ما يراه المالكي والسيستاني والحكيم والصدر إرهابا تكفيريا، يراه طارق الهاشمي والعشائر وهيئة العلماء المسلمين وغيرهم «ربيع العراق» وثورة ضد الطغيان. في الروايتين وصفة جاهزة لحرب مذهبية لا ينتصر فيها السنة ولا ينتصر فيها الشيعة. وحدها دول الخارج ستحصد محصول هذه المطحنة التي تظهر عراضات المتطوعين جهوزية العراقيين للاستسلام لمخارطها.
وبغض النظر عن عدالة حراك المهمشين، ومسؤولية نوري المالكي شخصياً عن الاختلال في علاقة العراقيين بالدولة، وبالتالي تمذهب النظام السياسي لصالح هيمنة شيعية، فإن منطق الأمور يذهب باتجاه ما تسرّب قبل سنوات عن خطة كان جو بايدن، نائب الرئيس الأميركي حالياً، قد اقترحها لتقسيم العراق إلى ثلاث دول: كردية، سنية، شيعية. وربما في سيطرة البشمركة على كركوك المتنازع عليها أصلاً، الإرهاصات الأولى للمخاطرة في ذلك الخيار.
يجري الحدث العراقي وكأنه ضرورة ولوازم للمفاوضات الجارية بين طهران ومجموعة 5 + واحد. ففيما تفاصيل المفاوضات تقنية تختصُ بالملف النووي، تتقدم طهران مكررة تطوعها لمكافحة الإرهاب، هذه المرة في العراق، بالشراكة مع واشنطن. فكلما لاحت علامات الاتفاق على ما هو نووي لاح معها شكل الصفقة الأكبر التي تطمح إليها إيران، بحيث يعترف العالم، وأميركا في المقدمة، بدورها الإقليمي الأساسي.
يعود الجيش العراقي لرد الهجوم والسعي لاستعادة المحافظات التي خسرها المركز في بغداد، على نحو لا تعوزه جحافل المتطوعين الزاحفين دفاعا عن العراق وفق هتاف «لبيك يا حسين»! وتقوم الطائرات الحربية السورية بقصف مواقع داعش في الرقة لأول مرة. في ذلك أن الأنظمة في دمشق وبغداد وطهران من ورائهما تقدّم للعالم أوراق اعتماد لزوميتها لضرب الإرهاب الداعشي في المنطقة. في ذلك أيضا أن إيران ترسل عنوانها كموقع وحيد يمكن للعالم التفاهم معه لإدارة شؤون ما أسماه ملك الأردن بالهلال الشيعي.
حدث داعش في العراق صبّ زيتا على نار كان يمكن للغرب الإدعاء أنها خامدة لا تستدعي عجالة، على ما درج عليه مع الحالة السورية. الأمر بات يقلق العالم، يلعب بالتوازنات ويخترق محرمات (السناتور غراهام يتوقع أن يصبح العراق وسوريا «منطقة الإعداد لـ11 سبتمبر المقبل»). التعامل مع ذلك يستدعي مقاربة دولية أخرى تأخذ العامل الإيراني (لماذا إيران فقط؟) بعين الاعتبار وفق ما توحي به تصريحات جون كيري. لكن إيران أضحت مدركة أنها، وهي القادرة على إضرام النيران وتسعير لهيبها، لم تعد تستطيع السيطرة على تلك النيران وضبط مزاجها، فيما يشبه، في حالة داعش، المارد الذي خرج من قمقمه وبات يعمل وفق أجندته الخاصة أو أجندات آخرين (عملاء لأميرکا وأوروبا والرجعیة في المنطقة حسب أحد مسؤولي شؤون الإعلام الدفاعي الإيراني العميد مسعود جزائري). وبالتالي فإن طهران أضحت بدورها تحتاج لتسوية مع العالم مكمّلة للتسوية النووية.
لا يعترف أوباما (والغرب عموماً) إلا بداعشية الحدث العراقي دون اكتراث بجانبه السني العراقي، لكنه يشترط مقابل تدخل أميركي محتمل حلولا سياسية عراقية. واشنطن تعتبر العلّة في بغداد، وهو ما لا تراه طهران. الموسم موسم تسويات، ومن يريد التسويات الكبرى مضطر لتقديم التنازلات، وإذا ما كانت إيران مزهوة بامتلاكها جلّ الأوراق في ذلك الهلال المزعوم، فأنها غير مستعدة لمواجهة “ثورة السنة” فيه (لاحظ الموقف السعودي الأخير المنتقد للنظام السياسي العراقي). في السعي للتسوية تنازلات كثيرة قد لا يكون أولها التخلي عن المالكي في العراق وقد لا يكون آخرها تنازلات أخرى في ميادين أخرى.
في هذه الأيام تخسر إيران احتكارها في العراق، ويعود العراق إلى لحظة أبريل من عام 2003 رواية أميركية إيرانية مشتركة.
” العرب”