الرئيسية / وجهات نظر / فصل المقال فيما بين القاهرة وتونس من اتصال!
56b8b0bad87ca9e5f18b5d37cd551a06

فصل المقال فيما بين القاهرة وتونس من اتصال!

يسترجع المرء ما جرى في تونس في يناير (كانون الثاني) 2011، فيكتشف أنه هو نفسه، ما جرى في مصر، في العام ذاته، وفي الشهر ذاته، ويكتشف أيضا أن الطريق الذي أدى إلى إسقاط زين العابدين بن علي، يوم 14 يناير، من ذلك العام، هو الطريق ذاته الذي قاد إلى تخلي مبارك عن الحكم في 11 فبراير (شباط)، وكأنك، والحال هكذا، أمام سيناريو واحد جرت أحداثه المتشابهة، وأكاد أقول المتطابقة، في بلدين بينهما ثلاث ساعات بالطائرة!
ولأن ما مضى، قد مضى، ولأن وقائعه لا يجوز أن تشغلنا إلا بقدر ما تكون مفيدة، ثم مضيفة لحاضرنا، فإن ما يعيشه البلدان، منذ ما صار معروفا بالربيع العربي يكاد يكون صورة طبق الأصل، وتكاد وأنت في تونس – مثلا – تفرك عينيك وأنت تطالع الصحف، وتمشي في الشارع، لتتأكد من أنك في تونس العاصمة، ولست في القاهرة!
أمسكت في يدي بصحيفة «الصباح» التونسية، وتصورت لوهلة أنني لو نزعت اسمها، ووضعت في مكانه اسما لكثير من الصحف المصرية، فلن يختلف الحال، ولن أشعر بصفتي قارئا بأي فارق أو تغيير!
إحدى الصحف هناك كتبت تنصح الرئيس المنصف المرزوقي بأن يسكت ويتوقف عن التصريحات والكلام، أو يغادر القصر، وكانت مناسبة هذا الكلام أنه قد صرح، أخيرا، بما فهم منه سامعوه أنها إشارة لا تليق بوضع أبناء الشعب التونسي.. ربما لا يقصد الرئيس المرزوقي هذا طبعا، بل المؤكد أنه لا يقصده، فليس هناك رئيس يقول هذا عن قصد، أيا كان ضيقه، بصفته رئيسا، من الأحوال في ما حوله، ولكن هذا كله شيء، وكون أن ما خرج على لسانه قرئ خطأ.. فالعبرة بما قيل فعلا، وليس بالنيات.
وحين ناقشت الأمر مع مواطنين تونسيين مختلفين، ما بين سائق تاكسي، وأستاذة جامعية، وشباب عابر على مقهى في شارع الحبيب بورقيبة، تبين لي أن هناك ما يشبه الإجماع بينهم على أن تجربة المرزوقي في رئاسة البلد أنه يعمل في داخل قصر قرطاج بمنطق الحقوقي الذي عرفناه عنه قبل الرئاسة، وأنه لا يريد أن يفرق بين أن يكون الإنسان حقوقيا وأن يكون رئيسا، إنما كان في مواقف كثيرة له لا تختلف كثيرا عن حركة النهضة.
ولو تذكرنا فإن بعضا من هذا كان بالضبط، أو على وجه التقريب، حال مرسي في قصر الاتحادية في القاهرة، مع اختلافات بسيطة هنا مرة، وهناك مرات، وليس سرا أنه قد جاء عليه وقت هو الآخر نصحوه فيه بأن يسكت قدر إمكانه، وألا يتكلم إلا لضرورة قصوى، لأن كلامه يورطه، ولا يليق برئيس جمهورية، وهكذا.. وهكذا.. في سائر ما يمكن أن تجد من مشابهات!
وإذا كان الاعتقاد قائما، لدى مصريين كثيرين، بأن الحال أيام مبارك كان أفضل منه حتى لحظة انتخاب المشير السيسي رئيسا، على المستويين الأمني والاقتصادي تحديدا، فالهاجس ذاته قائم لدى تونسيين كثيرين، وقد رأيت شبانا وشابات هناك، وكان رأيهم الذي يقولون به، بلا تردد، أن أيام زين العابدين كانت أحسن أمنيا واقتصاديا، وأن المعاناة في أيامه على هذين المستويين كانت أقل، وأن الدينار تراجع الآن أمام الدولار، وأن الإنسان الذي كان يعيش بدخله الطبيعي مستريحا قبل 14 يناير، عاجز عن أن يعيش به هو نفسه، في هذه الأيام، وأنه لا شيء على لسان حكومات ما بعد يناير 2011 إلا أن الخزانة العامة ليس فيها ما يلبي طموحاتهم الحياتية.. وهو أيضا ما كانت كل حكومة مصرية فيما بعد 25 يناير 2011 ترد به على كل الذين يطلبون زيادة في الدخل، أو تحسينا في ظروف المعيشة!
وإذا كان الإخوان قد أخفقوا في الحكم، فحركة النهضة قد أخفقت هي الأخرى، مع فارق مهم طبعا، هو أن النهضة كانت أذكى بكثير، لأنها حين أحست بعجز حكوماتها عن إدارة البلد أخذت خطوات إلى الوراء، وتخلت عن الحكم، وتركته لحكومة المهدي جمعة الحالية، التي لا علاقة لها بالنهضة من قريب ولا من بعيد، بل إن الشيخ راشد الغنوشي يشكو من ظلمها لهم على مستوى حركته الإسلامية.
شابة تونسية همست لي بأن تخلي النهضة عن الحكم ليس زهدا منها فيه، كما قد نتصور، وإنما هو مراوغة سياسية كاملة الأركان، يدركه التوانسة في أغلبهم، على حقيقته.
واللافت للنظر أن التوانسة، في جزء كبير منهم، يفرقون بين زين العابدين بصفته شخصا لم يكن عليه غبار، وبين زوجته وأفراد أسرتها الذين كانوا وراء ثورة الناس عليه.. وهو كذلك، ما كان ولا يزال لدى كثيرين من المصريين لم يكونوا ضد مبارك، بصفته شخصا، بقدر ما كانوا ضد زوجته وابنه والذين كانوا حوله في الحكم.
أيضا يروي الذين اقتربوا من زين العابدين أنه تغير تماما، بعد أن جاءه ابنه الوحيد محمد في 2005، ولعلنا نذكر أن مبارك تغير ربما بالدرجة نفسها، بعد أن فقد حفيده محمد، في العام ذاته تقريبا.
وربما لو عاش الفيلسوف ابن رشد إلى القرن الـ21، وشهد ما بين البلدين من تشابه يصل أحيانا إلى حد التطابق بامتداد أكثر من ثلاث سنوات، لكان قد أخضع التجربة للدراسة الأعمق، ولكان قد كتب عن «فصل المقال فيما بين القاهرة وتونس من اتصال!»، على غرار مقالته الأشهر: «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال».
“الشرق الاوسط”