الرئيسية / وجهات نظر / أغرب الاحتجاجات في زمن مختلف
عماد عريان

أغرب الاحتجاجات في زمن مختلف

لم يكن بائع الخضراوات التونسي محمد البوعزيزي مفجر ثورات الربيع العربي منذ نهايات عام 2010 هو صاحب أغرب الاحتجاجات وأشكال الرفض الاجتماعي عندما اشعل النيران في جسده لتمتد إلى كل أنحاء بلاده متجاوزة الحدود إلى دول أخرى بعضها يعيش حالة من التوازن الهش وأخرى غرقت في دماء الحروب الأهلية!
الحقيقة أن مظاهر الاحتجاجات أخذت أشكالا متعددة ومتنوعة ما بين السخرية والعنف من جانب أصحابها. واصبح بعضها مضحكا بشدة وبعضها الآخر قد يقود إلى السجن من جانب القائمين على الأمر، ولعلنا تابعنا في بعض دولنا العربية أشكالا جديدة من الاحتجاجات للتعبير عن موقف معين أو معارضة لأمر ما أو سخرية منه وأثارت زوابع إعلامية مخيفة معظمها غير مبرر لفظاعة رد الفعل وتفاهة الفعل ذاته.
وإذا ما أخذنا في الاعتبار أن الاحتجاج هو شكل من أشكال التعبير والحرية الشخصية، فقد يكون من حق الإنسان أن يفعل ما يروق له في نطاق حريته الشخصية هو دون أن يتجاوز حقوق الحرية الشخصية للآخرين، فإذا ما أراد تكميم فمه بشريط لاصق أو تكبيل يديه بالأصفاد أو حتى ربط نفسه في سور جسر أو كوبري بالسلاسل كشكل من أشكال الاحتجاج أو تعبيرا عن موقف سياسي أو اجتماعي معين، فله ذلك طالما حصر تصرفه في ذاته.
ليس خافيا أنه في الولايات المتحدة والدول الغربية هناك أنماط وأشكال للاحتجاجات قد لا تخطر على بال وتصل في بعض الأحيان إلى حد التعري الكامل مثلا رفضا لسياسات جارية، يفعلون ذلك انطلاقا من القيم الديمقراطية التي تحكمهم، بينما نحن لا نستطيع فعل أو تقبل ذلك نظرا للعادات والتقاليد المتوارثة، ولكن يظل السؤال متى يكون الرفض ضمن منظومة القيم والسلوكيات العامة الحاكمة، ومتى يتحول إلى وسيلة لقهر الرأي الآخر والمعارضة البشرية في أبسط صورها؟
قد تكون للسؤال أهميته إذا ما اعتبرنا أن العولمة لم تثمر تداخلا اقتصاديا وتفاعلا ثقافيا متبادلا فحسب ولكن امتد تأثيرها العميق الى مساحات أوسع من العلاقات الدولية لدرجة يمكن معها القول إنه لم تعد هناك دولة تستطيع ممارسة سيادتها على أراضيها وشعبها بشكل مطلق.
أما جملة التدخل في الشؤون الداخلية من جانب أطراف خارجية فلن تستطيع أي دولة أن تشهرها في وجه الآخرين طيلة الوقت وبشكل صارم.

إقرأ أيضا: أشعلها البوعزيزي.. فمن يطفئها؟

والسبب الاساسي لذلك هو جملة المبادئ الكونية التي صاحبت انتشار العولمة على كل اراضي العالم وأصبح لزاما على كل دولة تسعى للدخول في العالم الجديد أن تأخذ في اعتبارها بجدية ضرورة مراعاة تلك القيم الجديدة أو مناقشتها بشكل مجتمعي موسع لقبول ما يصلح منها ولفت الانتباه إلى ما لا يصلح. وغني عن القول إن المبادئ الكونية ترتبط في مجملها بحقوق الانسان.
وهي على أية حال لا تدخل في دائرة الحرمانية أو التجريم، ولكنها أكثر تطورا من المبادئ الاساسية للحقوق الواردة في الاعلان العالمي لحقوق الانسان عام 1948 وسبب ذلك بالتأكيد هو تلك الثورة المعلوماتية والاعلامية التي حدثت في السنوات العشرين الاخيرة ومصدرها المعلوم للجميع هو الشبكة العنكبوتية وما رافقها من شبكات أسطورية أخرى أصبحت على كل لسان مثل تويتر وفيسبوك ويوتيوب ومحركات البحث الجهنمية والفضاء الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي عموما.
ويأتي على رأس تلك القيم ضمان الحرية المطلقة للإنسان في المعرفة والحصول على المعلومات والتفاعل معها وأيضا حرية الاتصال والتواصل مع أي جهة على كوكب الارض دون تدخلات أو ضغوط، وربما كان هذا هو السبب في أن حق استخدام الشبكة العنكبوتية بكل ملحقاتها أصبح من حقوق الانسان الاساسية وموضع ادانة عالمية عند المساس القهري بها أو بمستخدميها.
ومن الطبيعي أن يجد هؤلاء المستخدمون أنفسهم أكثر انتماء لكل القيم الكونية التي تنتشر في الصين والولايات المتحدة مثلما تنتشر في أوروبا وآسيا، ويضع ذلك الحكومات التي مازالت تعيش خارج التاريخ في مأزق شديد.
حيث أصبحت عاجزة عن احتكار المعلومات وتضليل شعوبها فضلا عن تمسكها بمبادئ بالية لا تساير القيم الكونية مثل الحديث عن المؤامرات الخارجية والمارقين والغوغاء والفئة المندسة والمخربين وهي لغة قديمة لم تعد تنطلي على أحد في الداخل، فالخطاب الاعلامي والسياسي والانساني يجب أن يتغير تماما اذا ما أردنا اللحاق بالمدنية الحديثة والقيم الكونية الجديدة.
وطبيعي عندما يكون الحديث عن الحرية فالمعنى دائما هم الأفراد، وعندما يكون الحديث عن القانون والضوابط والمسؤوليات، فالحكومات والسلطات غالبا ما تكون هي المعنية، وهكذا يتم دوما تنظيم المجتمعات ما بين حدود الحرية والمسؤولية، ولكن في عالم الفضاء الإلكتروني المسألة شديدة الالتباس حيث حدود المسؤولية والحرية هنا عبارة عن دوائر متداخلة ومتشابكة.

كاتب ومحلل سياسي/”البيان”