الرئيسية / وجهات نظر / في وداع مثقف أصيل
9a7fd29ce4abe678798fd721c7cd2484

في وداع مثقف أصيل

غادر دنيانا، الأسبوع الماضي، مثقف كبير، وعالم مستقبليات جليل، كرس حياته للدفاع عن المبادئ التي آمن بها، وتحمّل، بقلبٍ مؤمن، تكلفة قول لا للغرب والشرق، للحكام والمحكومين. سجن ومنع وأقصي حتى من لقاء جمهوره، لكنه ما بدل تبديلاً. إنه المغربي الدكتور المهدي المنجرة، الذي ودع الحياة عن نحو 82 عاماً، قضى منها أكثر من نصف قرن في العلم والعمل، في مدرجات الجامعة وأروقة الأمم المتحدة، في التأليف والتنظير للحوار بين الشمال والجنوب، والتعايش بين القيم الحضارية، والدفاع عن حقوق الإنسان، وتوطين مبادئ الديمقراطية والحق في التنمية، ورفع الصوت عالياً للمناداة بكرامة الشعوب أمام الحكام، أولاً، وأمام الغرب الاستعماري والإمبريالي، ثانياً.
كان المهدي المنجرة مثقفاً من طينة نادرة في العالم العربي، تعلم في فرنسا وأميركا وبريطانيا، وحصل على أرفع الشواهد من جامعاتها العريقة، لكن ذلك لم ينسه بلده المغرب، ولا هموم العرب والمسلمين. ظل النقد المزدوج للغرب والشرق سلاحه، ومنهجه لدراسة مشكلات العالم المعاصر. لم يتحول إلى مستشرق، كما يفعل جُل المثقفين العرب الذين يعيشون في الغرب، ويلبسون نظاراته، وهم يقرأون أحوال بلادهم وهمومها، إرضاءً لما يريد الغرب أن يسمعه عنا في جامعاته ومراكز بحثه، ومعامل الأفكار لديه.
اقترب الراحل من السلطة العليا في البلاد، وتقلد مناصب رسمية وديبلوماسية كبيرة، لكن هذا القرب من السلطة لم يبعده عن الإحساس بالشعب، وعن التمسك بوظيفة المثقف، وهي قول الحقيقة للسلطة، وإن غضبت من سماعها، وممارسة وظيفة النقد، حتى في أشد الظروف حساسية، وفي مواجهة التيار الغالب من السياسيين والمثقفين الذين يغنون ويرقصون، في موكب الحاكم، ويسوقون الارتياح الخادع، والوهم المخدر لشعوبهم، خوفاً من عصا الحاكم الغليظة، أو طمعاً في جزرته السمينة.
كان الراحل المهدي المنجرة من كبار علماء الدراسات المستقبلية، وهو، بهذه الصفة، كان من القلائل الذين تنبأوا قبل 20 عاماً بوقوع انتفاضات ستغير خارطة الأنظمة السياسية في العالم العربي. كانت أطروحته تقول إن التحول الديموغرافي الذي تعرفه المنطقة العربية، والذي يجعل من فئة الشباب قاعدة الهرم الديموغرافي، بكل ما تتطلبه هذه الكتلة الحرجة من فرص عمل، ومساحات من الحرية، وقدرة على التواصل مع العالم، بفضل تكنولوجيا الاتصال والمعلومات، فئة الشباب هذه سيعلو صوتها يوماً بعد آخر، وسيأتي اليوم الذي تهدم فيه البيت على صاحبه.
عندما كان المهدي المنجرة يقول هذا الكلام، في مطلع تسعينيات القرن الماضي، كان كثيرون يعتبرون كلامه من باب التمني، وليس التحليل العلمي للواقع. كانت الأنظمة الشمولية في العالم العربي تبدو، آنذاك، قوية ومتماسكة، وعصية عن أن يزحزحها أحد من مكانها. لكن المهدي المنجرة كان يرى شرعية هذه الأنظمة تتآكل، يوماً بعد آخر. وكان يرى ثلوج الحرب الباردة تذوب، ومعها تتغير خارطة العلاقات الدولية، وكان يرى أن حرب القيم الغربية على الحضارة العربية الإسلامية ستبعث وعياً جديداً في الأمة، وأن الحربين على العراق، الأولى والثانية، والحرب على أفغانستان، لن تمر من دون أن تترك آثارها على النفوس والعقول.
أما العولمة التي حولت العالم إلى قرية صغيرة، فلها إيجابيات وسلبيات على هذه القطعة الجغرافية من العالم، والتي بقيت خارج التاريخ الديمقراطي إلى اليوم. كان الرجل يرى أن الاستبداد العربي يخسر كل يوم موقعاً من مواقعه، وأن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والقيمية وصلت إلى حد لا يمكن أن تحتمله الشعوب التي قاست من الاستبداد، مرة باسم تحرير فلسطين، ومرة باسم الوحدة العربية، ومرة بالخوف من الفتنة، ومرة بمبرر طاعة ولي الأمر.
لم يكذب التاريخ نبوءات المنجرة. لكن، عندما أطل الربيع العربي من تونس، ثم مصر، فليبيا واليمن والمغرب والبحرين وسورية، كان المثقف المغربي على حافة الغروب، بقي يتابع مجرى الأحداث من سرير المرض، وربما ما خفف آلامه الكثيرة، أنه رأى الشباب العربي ينزل إلى الشارع في انتفاضات عفوية، للدفاع عن الحرية والكرامة والديمقراطية، التي طالما بشّر بها شعبه وأمته.
سيرة المهدي المنجرة، رحمه الله، سيرة مثقف لم يدّع يوماً أنه ثوري، لكنه لم يكن بالإطلاق رجعياً. مع اليسار، كان يدافع عن قيم الليبرالية الأصيلة، ومع اليمين كان يناصر الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، ومع الإسلاميين كان يدافع عن العقل والاجتهاد والانفتاح على العالم. في البلاد العربية، كان يشرح قصة نهوض أوروبا واليابان. وفي الغرب، كان ينتقد إسرائيل ومساندة القوى الكبرى جرائمها، وازدواجية المعايير في سياساتها، وغلبة المصالح على القيم في سلوكها. هو ذا المهدي المنجرة، رجل عاش ومات وفياً لرسالة العلم، مخلصاً للحقيقة كما يراها، جريئاً في الدفاع عن أفكاره، وإن أغضبت القريب قبل البعيد. أعرف أن وردة في يد إنسان على قيد الحياة أفضل من إكليل ورد على قبره بعد الممات، لكن الاعتراف للرجل بالمعدن النفيس تذكرة للأحياء، لا مدحاً في الأموات.           
“العربي الجديد”