الرئيسية / وجهات نظر / جدلية الثورة والديمقراطية
d6dcbdbc562f56536bd0d9cbd47c9dd7

جدلية الثورة والديمقراطية

إذا كان الشباب في كل من تونس ومصر قد خرج إلى الشوارع يقود خلفه بقية الشعب بقواه ونخبه السياسية في حركة سميت «ثورة»، فإن هذه النخب بمجرد سقوط رأس النظام هرولت سريعاً باتجاه الانتخابات، ما أدى الى نقل هذا التحرك من الشارع إلى صناديق الاقتراع. وهي نقلة باعتقادنا كبحت جماح هذه الثورة ومنعتها من الذهاب بعيداً في طريقها المعروف. بل بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات أجريت خلالها انتخابات برلمانية ورئاسية وإعداد دستور ومع تكرار ذلك مرتين في مصر نغامر بالقول، إن ما أطلق عليه ثورة في البداية قد تراجع ليصبح مجرّد «تحول ديمقراطي» متعثر في أحسن أحواله.
المطالب التي رفعها الشارع بكل عفوية والتي تلخصت في «خبز، حرية وعدالة اجتماعية» عبّرت عن عمق الأزمة التي يعيشها المجتمع العربي بكامله ولامست عصب فشل الدولة العربية منذ عهد الاستقلال حتى اليوم. أما الوسيلة لتحقيق هذه المطالب والمتمثلة في الشعار الساحر الذي صيغ بذات العفوية أيضاً، وهو «الشعب يريد إسقاط النظام» شكل قطيعة مع كل شعارات ومطالب الإصلاح التي كانت ترفع طوال العقود الماضية خصوصاً من قبل النخبة المثقفة، وهو ما منح هذا الخروج الشعبي الشبابي وصف «ثورة» بكل جدارة. خروج تجاوز بتلقائيته كل الأطر السياسية والحزبية التقليدية، فبعد أن كانت هذه الأطر تدعي تمثيلها للشارع وقيادتها له أصبحت فجأة مضطرة للحاق به ومرغمة على ملاحقة سقف مطالبه، وهذا بحد ذاته كان تعبيراً عن فشل هذه القوى السياسية التي كانت تصنف كتيار معارض.
لكن حتى يتحقق هذا التجاوز للواقع العربي الحالي بكل بؤسه ولإتمام القطيعة مع الإرث السياسي الاجتماعي، كان يجب على هذه الثورة أن تترك في أحضان الجماهير حتى تنضج فكرتها وتتضح رؤيتها، خصوصاً أنها وكما وصفت عن حق كانت ثورة بلا قيادة، والثورات عموماً تنطلق كتعبير عن غضب بعد أن تكون قدرة الشعب على الاحتمال قد نفدت. ولهذا لا يمكننا توقع وجود برنامج محدد وآليات عمل واضحة منذ الشهر او حتى العام الأول لأية ثورة. في البداية يكون هنالك مجرد مطالب عامة تفتقر لإطار فكري وفلسفي، ولكن حالة الجدال الداخلي بين مكونات هذا الشعب والتي تتطور تدريجياً هي القادرة على إرساء الرؤية للمستقبل. هنالك بعض الثورات بلا شك تولد بإطار سياسي وفكري مسبق كالثورة البلشفية والكوبية اللتين تمتعتا بقيادة نظرت لها وقادتها ووضعت لها إطاراً إيديولوجياً، ولكن هنالك ثورات أخرى تفرز قياداتها الفكرية والميدانية وتطور مطالبها واليات عملها مع مرور الوقت كالثورة الفرنسية التي أنتجت ما سمي بمبادئ التنوير وغيرت بذلك وجه اوروبا بالكامل.
في الحالة التونسية والمصرية فإن الثورة ما زالت تفتقر لهذا الاطار الفكري الفلسفي، اي انها ثورة بلا فلسفة وبلا مفكرين، أما على صعيد القيادة الميدانية فإن العملية الانتخابية بمجرد رحيل رأس النظام سحبت البساط من تحت أقدام الشباب لتعيد الأولوية والأهمية للنخب السياسية التقليدية. وهذه النخب يبدو انها نتيجة لعملها تحت عباءة الانظمة طوال العقود الماضية لم تعد تتقن سوى العمل السياسي التقليدي فاقدة بذلك أي اتصال لها بالميدان. وهنا علينا الادراك بأن العملية الانتخابية ادخلتنا الى النظام قبل سقوطه، وبالتالي أصبح الصراع عليه وليس معه، وحتى الشعارات الثورية بدلاً من ان تكون هي السلطة بحد ذاتها أصبحت مجرد سلم انتخابي. وهذا السلم سيوصل بلا شك معظم التيارات السياسية بمختلف توجهاتها الايديولوجية بنسب مختلفة، وذلك لن يسمح بأي شكل من الأشكال باتخاذ قرارات جذرية وثورية فالتوازنات السياسية ستفرض نفسها على عملية التغيير.
ما يثير الدهشة هنا ان التسابق نحو عقد انتخابات برلمانية ورئاسية جاء ايضاً تعبيراً عن الخلط بين مفهومين مختلفين بل ومتناقضين تماماً هما: الثورة والديمقراطية، خلط وقع به الجميع تقريباً بما فيهم النخب المثقفة، فقبل أن يشتد عود الثورة كان هنالك اصرار على التغني بـ«الديمقراطية» واقحامها في الخطاب والممارسة، وكأنه لا يوجد من شرعيات سوى «الشرعية الانتخابية»، في حين أن «الشرعية الثورية» المتمثلة بالملايين التي خرجت الى الشوارع هي الاصدق والاوضح والاهم من «شرعية صندوق الاقتراع»، خصوصاً اذا ما أخذنا في الاعتبار ان اي عملية انتخابية حتى في الدول الديمقراطية العتيدة هي في النهاية عملية تقنية، من ينجح فيها ليس بالضرورة الافضل او الاكثر تعبيراً عن تطلعات الناس، وانما الاكثر تنظيماً وتمويلاً وقدرة على ادارة هذه العملية.
الثورة يفترض ان تجلب الديمقراطية، ولكن لا يمكن للديمقراطية ان تكون وسيلة ثورية، بمعنى اخر الثورة عملية خلخلة وتفكيك وهدم للبنى السياسية والاجتماعية التقليدية بينما الديمقراطية مرحلة لاحقة تأتي بعد ان يكون قد توفر أساس جديد لبنى جديدة متفق عليها من غالبية مكونات المجتمع. الثورة هي التي يجب ان تفرض بالقوة قواعد البناء البديل لما هدمته بنفسها. والفرض هنا ليس على الإطلاق عملاً ديكتاتورياً حتى وان جاء من أقلية، لان العبرة تكون بمدى تمثيل الغالبية فيما يتم فرضه. ثورة 23 يوليو في مصر بدأت كانقلاب عسكري ثم تجذرت كثورة، وبدل ان يسارع «الضباط الأحرار» لإجراء انتخابات فور رحيل الملك، شُكل «مجلس قيادة ثورة» تكفل بتفكيك النظام الملكي نهائياً ومن مختلف جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكان التفاف الجماهير حول هذه القيادة وقراراتها هو التعبير عن «الشرعية الثورية».
ولا يجب ان نغفل هنا أن الديمقراطية وبغض النظر عن مضمونها، أصبحت اليوم قوة تدخل ناعمة في يد الغرب وتحديداً أميركا، ابتداء من فنزويلا إلى أفغانستان والعراق، باسم هذا الدين الجديد يُفرز الأخيار من الأشرار، وتُسحب الشرعية من نظام وتُمنح لآخر، ولهذا فإن الولايات المتحدة اول من سارع للدعوة الى اجراء انتخابات دعت للاعتراف مباشرة بالحركات الاسلامية في كلا البلدين ومنحها حق المشاركة. والمفارقة العجيبة هنا ان الحرص على الديمقراطية في هذه الحالة جاء بهدف الابقاء على واقع يناقضها تماماً. يُستخدم لوأد فكرة الثورة، ليس فقط في الوطن العربي وانما في ما يسمى بالعالم الثالث عموماً، فهذا زمن ذهب ويجب الا يعود. طوال العقود الماضية رُسخت تبعية سياسية واقتصادية لدول تدور في الفلك الرأسمالي الليبرالي ويجب الا تخرج منه.
وعدا عن هذا فإن عمق الأزمة التي يعيشها المجتمع العربي فعلياً لا تكمن في غياب الديمقراطية او الحكم الرشيد، وإنما هي أزمة غياب فكرة الدولة من اساسها. وهذا أصبح توجه أكاديمي معروف. فبعد ان كانت جل الدراسات والأبحاث العربية تتركز في «مسألة الديمقراطية» فإن العقد الأخير شهد تحولاً باتجاه دراسة الدولة. وارتباطاً بغياب فكرة الدولة التي لم تترسخ في الثقافة السياسة العربية ولا حتى المجتمعية، فإننا فشلنا أيضاً في إيجاد تعبير حديث عن مكونات الهوية العربية.
مسيرة الفشل هذه بدأت مع تفكك اللبنة الأولى من الإمبراطورية العثمانية، فبعد ان ذابت الشخصية الثقافية العربية لقرون طويلة في فضاء إسلامي واسع متعدد الملل والأعراق وعابر للجغرافيا والثقافة، جاء هذا التفكك ليطرح ضرورة إعادة تجميع عناصر هذه الشخصية ووضعها ضمن إطار حديث. وقد تزامن ذلك مع انتشار الدولة القومية في أوروبا التي فرضت نفسها على طبيعة النقاش العربي الذي ساد في ذلك الوقت. ومثلما قطعت العملية الانتخابية اليوم في كل من تونس ومصر تطور الجدال الداخلي الناتج من الثورة، فإن الاستعمار الاوروبي جاء ليقطع أيضاً النقاش ذاته حول أساسيات بناء الدولة والامة. فهو نقاش ما زال حينها فكرياً نخبوياً لم يتطور بشكل كاف ليصبح جدالاً شعبياً. وصول الأساطيل الأوروبية إلى الشواطئ العربية حول الصراع الداخلي المفترض ما بين بنى المجتمع التقليدية وتوجهات البناء الحديث إلى صراع وطني مع الاستعمار. وهذا منع عملية التحول الاقتصادي والتطور الاجتماعي الضروريين لولادة طبيعية للدولة. فنحن ما زلنا مجتمعاً قبلي ما قبل حداثي، ولم ننجح حتى الآن في ما يسميه «دوركهايم» بالانتقال من «التضامن العضوي» إلى «التضامن المكيانيكي». لذلك فقد تسربت مؤسسات المجتمع «ما قبل الحداثي» إلى الدولة، فنجد الطائفة في لبنان على سبيل المثال تلعب دوراً في حياة الفرد يفوق بأهميته دور الدولة، وفي الأردن نجد «المجالس العشائرية» تعمل جنباً الى جنب مع القضاء او تتقدم عليه في بعض الأحيان.
عندما خرج المصريون للمرة الثانية ضد حكم الإخوان المسلمين، كان الجدال الثوري قد تطور لتضاف إليه عناصر جديدة غير الخبز والحرية، إذ أصبحت مساحة الدين في الحياة السياسية والتي اختلف عليها بقوة في الدستور عنصراً محورياً. لم يكن انقسام الشعب ما بين ميدان التحرير و«رابعة» مجرد انقسام سياسي وإنما عبّر عن اصطفاف تاريخي لم يحسم منذ انتهاء الحكم العثماني حتى اليوم، ولكن أيضاً مرة أخرى جاء التدخل السياسي ليقطع هذا الصراع الطبيعي مع الذات لتحديد هويتها، وينقله إلى صناديق الاقتراع ويحصره في قضايا بعيدة من عمق أزمة الدولة وبناء الأمة، وهو تدخل تمثل في عزل عبد الفتاح السيسي للرئيس السابق محمد مرسي، وكان السيسي بذلك سحب المبادرة من الشارع وأعادها للنخب.
لذلك فإن منطلق العمل الثوري في الحالة العربية يجب ان يتجاوز إطار العمل السياسي الضيق والمطالب الحياتية المباشرة، ليذهب بعيداً إلى أعماق الأسئلة التاريخية والوجودية المتعلقة ببناء الأمة والدولة معاً. وهذا بحاجة إلى إطار فكري فلسفي يرافقها ويتطور معها حتى تتم القطيعة التامة مع الموروث السياسي والاجتماعي. ولكن حتى يجرى ذلك علينا أن نترك الثورة في أحضان الجماهير ونحميها من ديمقراطية الانتخابات والعمل النخبوي معاَ.
“الأخبار” اللبنانية