الرئيسية / وجهات نظر / إننـــا نتآمــرُ على أنفسنـــا!
د.-آمال-موسى-المقدمي

إننـــا نتآمــرُ على أنفسنـــا!

لستُ ممن يعتقدون كثيرا في ما يسمى نظرية المؤامرة، وإن كنت لا أنفيها تماما، باعتبار أن التاريخ ذاته يكتظ بها وأسهمت في تحريك مساره وفي تحويل وجهاته في أزمنة وأمكنة مختلفة.
ولكن مظاهر عدّة، تشير إلى وجود مؤامرة في بلادنا وهي للأسف نوع آخر من المؤامرات المسكوت عنها عادة: التآمر على الذات وعلى النفس. وما أقسى أن يتآمر مجتمع على نفسه ونخب على نفسها.. فذاك أقسى أشكال التآمر وأكثره مجانية.
أن نتآمر على أنفسنا، فذلك يعني أننا أصبحنا أعداء أنفسنا وأننا فقدنا الحد الأدنى من اليقظة في الدفاع عن النفس.
ما نعرفه وما تروجه وسائل الإعلام أن بلادنا تمر بظروف صعبة سياسيّة واقتصادية، وأنها في مرحلة مخاض صعب قيميا وثقافيا، وأيضا أنه لا شيء يوحي بأن الولادة ستكون سهلة يسيرة وأن المولود الذي سيرزق سيكون في صحة جيدة.
بل إننا نعرف أكثر من هذه العموميات الغامضة المستهلكة: إننا نعيش حربا ضد الإرهاب والمعلومات الواردة من الحدود ومن داخل الحدود، تنبئ بتعقد ملف الإرهاب وبالسيناريوهات المفتوحة على مصراعيها.
إذن واقع الحال يتطلب التحلي بالشعور بالمسؤولية والاحتكام إلى العقل في كل صغيرة وكبيرة. ذلك أن الإرهاب قائم الذات في بلادنا ويتحرك بيننا وضدنا وأغلب الظن أنه بعد مجازر متحف باردو ومنتجع سوسة وشارع محمد الخامس، قد سقطت مقولة أن الإرهاب فزاعة في تونس.
من هذا المنطلق، فإن أي مظهر من مظاهر الفوضى السياسية وأيضا الفكرية، يصبح علامة دعم صريحة للإرهابين ولكل من يريد التخلف والنكوص لهذه البلاد. فالإرهاب يُعشش أين تغيب الدولة والمؤسسات والعقل النقدي والتربة الثقافية الغنية، التي لا تثمر غير الثمر الطيب.
وإذا ما أطلقنا العنان للملاحظة ولتسجيل الملاحظة تلو الأخرى في خصوص مظاهر الانفلات العام وفتح الأبواب والنوافذ والقلوب لأصحاب الفكر الميت، فإن الطريقة التي ندير بها المعركة الثقافية والسياسية ضد الإرهاب هي إدارة سيئة للغاية. بل إن الإمعان في الصراحة قد ينتهي بنا إلى الإقرار بأننا لا نحتكم إلى أي طريقة وأننا ندير معركة خطيرة دون إعمال للعقل.
المفروض أننا نخوض معركة ضد الفكر الجهادي التكفيري، وضد دعاة اغتيال العقل النقدي الموضوعي ولكن ها أن أحد كبار مفكري بلادنا (الأستاذ محمد الطالبي) يظهر في قنواتنا ليكفر بورقيبة ويقول إنه لم يكن مسلما؟

إقرأ أيضا: تونس.. انتهاء حلم التغيير أم ثورة شبابية جديدة؟

هل هناك هدية أفضل وأقوى يمكن أن يقدمها مفكر تونسي للخلايا الإرهابية اليقظة أفضل من هذه الهدية المجانية؟
إننا أمام خطاب يفتش في المعتقد الشخصي للأفراد وهو تكفيري من حيث الاستنتاج كما أنه يعلن عن سقوط نوعي في مجال مواجهة الفكر التونسي لذهنية التكفير؟ فالتكفير كمبدأ مرفوض ومُقاوم ومُحارب بلفت النظر عن الشخصية المستهدفة والشخص القائم به.
من جهة ثانية، هل ندرك ماذا يعني تكفير بورقيبة في هذه اللحظة التاريخية المعقدة بالذات؟
هذا يعني فسح المجال وتقديم المسوغات للذين يكفرون مشروع بناء الدولة الوطنية الحديثة التونسية وما انطوى عليه من إصلاحات ومن مسار تحديثي.
علينا أن نتعود على الانتصار لقول الحق وأن لا نكشر عن الأنياب عندما يتعلق الأمر بخصم أيديولوجي ونصمت ونتظاهر باللامبالاة عندما ينزلق واحد منا (أي من الجماعة الفكرية نفسها)؟ أليست المعركة فكرية وأبعد ما تكون عن التشخيص؟
والمشكلة الأكبر أن هذا الخطاب وهذه المضامين التي تنطق كيفما اتفق وخارج السياق، إنما هي لا تعد وليمة فاخرة للإرهابيين فقط بل هي أيضا مصدر بلبلة عند شبابنا وطلبتنا الذين لا يمتلكون الحصانة المعرفية التي تجعلهم في مأمن من تداعيات تصريحات تضرب في العمق.
وفي اتجاه آخر نلحظ معارك سياسية وحقوقية جانبية وشتائم متبادلة ولا نفهم شيئا من أسبابها ومسبباتها.
يبدو لي أننا لا نحب أنفسنا كما يجب، وأننا لا نولي لذواتنا التقدير اللازم كما ندعي.
لذلك فنحن نتآمر على أنفسنا بالذهاب وبخطى حثيثة إلى حيث الضجيج والفرقعات والمعارك الجانبية والحال أن أمامنا معارك أكثر جدية.
لندع بورقيبة ينام في قبره بسلام ويكفيه ما ألحقناه به من تعنيف مبرح إلى حد الآن.

كاتبة من تونس/”الشروق”