الرئيسية / وجهات نظر / ليبيا.. والنموذج المفقود!!
02c1f9d30195bf3e1ba0bafbd979b854

ليبيا.. والنموذج المفقود!!

وكأنها محاولة مستميتة للوصول بالجماهير العربية إلى التخلي عن أحلامها في العيش والحرية والكرامة الإنسانية وأن يتحول إلى كابوس.
إلى الكفر بالديمقراطية بعد معاناة لسنوات من الديكتاتورية البغيضة التي أفرزت الفساد والمحسوبية وتلال من الأمراض الاجتماعية.
إلى الندم على تحركها والخروج على أنظمة مستبدة ظالمة أجرمت في حق شعوبها فيما سمي يومها «ثورات الربيع العربي»، التي بدأت في تونس وانتقلت إلى مصر ثم اليمن وليبيا وتم إجهاضها في سوريا.
فبعد أكثر من 3 سنوات أصبحت الخيارات محدودة أمام المواطن العربي بين العقيد معمر القذافي أو اللواء خليفة حفتر، بين بشار الأسد عام ١٩٩٩ أو بشار الأسد ٢٠١٤، وكأن المواطن المصري عليه أن يختار بعد حسني مبارك المشير عبدالفتاح السيسي، أما اليمن فليس أفضل حالا. الاستثناء فقط في تونس التي تؤكد كل المؤشرات أنها في الطريق الصحيح.
لقد توقف قطار الربيع العربي في سوريا بعد أن تعثرت في مصر بعد ٣ يوليو ويتخبط في محطته الليبية وهي موضوع مقالنا اليوم بعد تلك التطورات الأخيرة والمقلقة الحاصلة في ليبيا بتصدر الجنرال الغامض خليفة حفتر المشهد السياسي بعد أكثر من 3 سنوات على قيام الثورة عانت فيها ليبيا الكثير لأسباب مفهومة ومقبولة معظمها ألم يكن كلها مسؤولية ما قبل الثورة نظام القذافي هو السبب هو من ترك ليبيا «أشلاء دولة»، والتعبير ليس من عندي ولكنه يعود إلى رئيس الوزراء الأسبق علي زيدان عندما التقيته أثناء زيارته الأخيرة للقاهرة، فقد ترك ليبيا دون مؤسسات مستقرة ومعروفة دون جيش نظامي خوفاً من الانقلاب عليه والاعتماد على مليشيات القذافي المسماة اللجان الثورية لتوفير الحماية اللازمة للنظام، لم يكن هناك برلمان مكتفياً باللجان الشعبية وغابت السلطة التنفيذية رغم وجود حكومة ووزراء. فـ «خيمة القائد» هي من تحكم وتدير كل الأمور فماذا نتوقع أن تكون توابع كل ذلك بعد زلزال الثورة والاختفاء الدرامي للعقيد معمر القذافي. من الطبيعي أن نرى انفلاتاً أمنياً وعمليات تصفية حسابات وتنامي نفوذ جماعات عديدة كان لها دور في الثورة ضد القذافي وتسعى إلى الحصول على ثمن سياسي؛ لذلك الموقف تراجع اقتصادياً نتيجة حالة عدم الاستقرار الأمني، غياب أبجديات العمل السياسي والفصل بين السلطات وأي مظاهر لعملية ديمقراطية والتي تحتاج إلى خبرات مكتسبة وتراكمية وهو ما افتقدته ليبيا طوال ٤٠ عاماً هي عمر نظام القذافي، كما أن هناك افتقاداً للانسجام بين المجلس الوطني الذي يمثل البرلمان وبين الحكومة، وغياباً لخريطة طريق واضحة ومحددة يلتزم بها الجميع للوصول بالبلاد إلى بر الأمان وتحقيق الأمن والاستقرار ونحن هنا لسنا في مجال تبرير تلك الأفعال ولكن الرصد الأمين.
ويصبح السؤال الكبير المطروح ما السيناريو المطروح أمام الأحداث في ليبيا؟ التي أدخلت البلاد إلى نفق مظلم وكانت وراء أزمة هي الأسوأ منذ ثورة فبراير ٢٠١١. أعتقد أن هناك أكثر من نموذج وسيناريو في المقدمة منها استنساخ النموذج المصري وهذا يستلزم نجاح خليفة حفتر ومعركته التي أطلق عليها اسم الكرامة، خاصة أن الرجل يحاول الترويج لنفسه كما لو كان عبدالفتاح السيسي الليبي رغم أن تاريخ حفتر غير مشرف تماماً فقد كان أحد جنرالات النظام السابق وهو التشابه الوحيد بينهما، ولكن حفتر تلقى مع جنوده هزيمة قاسية في عام ١٩٨٧ عندما كان قائداً للقوات الليبية في تشاد وتم أسره والإفراج عنه في صفقة بواسطة فرنسا وأميركا مقابل إعلان تمرده على القذافي، وخرج من تشاد إلى الولايات المتحدة ليتولى مسؤولية تدريب وقيادة عناصر من المعارضة الليبية. وخلال أكثر من عقدين من الزمن فشل مشروعه ولم يعد يحظى حتى باهتمام أميركا بعد تطبيع علاقاتها مع القذافي. وكانت مكافأته هي الحصول على الجنسية الأميركية والإقامة في ولاية فيرجينيا وعاد إلى ليبيا بعد الثورة بطموحات أن يتولى مسؤولية إعادة تشكيل الجيش الليبي، ودخل في مواجهات مع رئيس الأركان عبدالفتاح يونس الذي تم اغتياله في عملية ما زالت مستعصية على الفهم دون أن يتم اتهام أحد بذلك وفي فبراير الماضي أعلن عن قيامه بانقلاب لم يتم أخذه على محمل الجد بعد أن دعا الليبيين إلى الاعتصام أمام المجلس الوطني، ولكنه غير من شعاراته وتكتيكه في الآونة الأخيرة بعد محاولته استخدام نفس المفردات النظام المصري بعد ٣ يوليو ومن ذلك حديثه عن حصوله على تفويض من الشعب الليبي بعد مظاهرات محدودة في عدد من المدن، بالإضافة إلى شعار مكافحة الإرهاب وهو الوصفة السحرية لاستقطاب دعم الغرب الذي يعيش «فوبيا الإرهاب» منذ سبتمبر ٢٠٠١، كما يحاول اللواء حفتر الحصول على دعم مصر من خلال تأكيده على أن الهدف هو القبض على عناصر الإخوان المسلمين وتسليمهم إلى مصر دون أن يتم توضيح ما إذا كان هناك عناصر من الجماعة موجودة أصلا وحديثه أيضاً عن ضبط الحدود، خاصة أن الفترة الماضية شهدت عدداً من القضايا المعلقة بين البلدين ومنها ترديد أخبار عن تشكيل الجيش المصري الحر في ليبيا. ووصل الأمر إلى تحديد أماكن تمركزه، معسكرات تدريبه والغريب أن تلك التسريبات ما زالت مستمرة على الصعيد الإعلامي والأمني رغم النفي الواضح والصريح من كبار المسؤولين في مصر، كما أن هناك قضية العمالة المصرية والتي تصل إلى حوالي مليون رغم المصاعب التي تواجهها ومقتل بعض أفرادها ومحاولة البعض الحديث عن استهدافها بشكل خاص رغم أن الأمر يعود إلى الانفلات وعدم الاستقرار الأمني هناك، يضاف إلى ذلك الأعداد التي تقدر بعدة آلاف من الليبيين الذين أقاموا في مصر بعد الثورة وهؤلاء قد لا يسببون مشكلة والأمر يتعلق فقط بكبار المسؤولين في النظام السابق وبعض أعضاء أسرة القذافي، ومنهم أحمد قذاف الدم، ناهيك عن مشكلة تدفق السلاح من ليبيا إلى مصر ولعل هذا كله يفسر رغبة الحكومة المصرية وحرصها على إقامة علاقات مستقرة مع حكام ليبيا، وإلا يكون هناك نظام مناوئ أو معادٍ وهو ما يلعب عليه بذكاء اللواء خليفة حفتر، وقد يكون من مصلحة الطرفين الترويج لوجود دور مصري في الأحداث الأخيرة ودعم القاهرة لمعركة الكرامة على أساس أن مصر عادت من جديد لتقدم دور الدولة النموذج في المنطقة العربية، كما أن هناك سهولة في تعامل أنظمة مشابهة في البدين يحكمها رجال من القوات المسلحة، وإمكانية تحقيق المصالح المشتركة والحفاظ على كل منهما، وتبدو القاهرة أكثر حذراً في إعلان تدخلها الصريح في الأزمة الليبية لأنها تدرك أن الأمر قد يتحول إلى مصيدة خاصة أن استمرار الأزمة الليبية بدون حقد يساهم في تحويلها إلى مستنقع من الصعب الخروج منه.
“العرب”