الرئيسية / وجهات نظر / من الذي يحتكر مفتاح حل النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية “الأمم المتحدة أم الجزائر…”؟
46aceae7be0afcf43c840d81c444b647

من الذي يحتكر مفتاح حل النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية “الأمم المتحدة أم الجزائر…”؟

لقد تعود المغاربة قاطبة من طنجة إلى الكويرة على قرارات مجلس الأمن الدولي حول الصحراء المغربية من كل سنة في شهر أبريل، بعد تقديم الأمين العام لتقريره الذي يتوصل به من عند مبعوثه الخاص بالصحراء المغربية. وكما هو معلوم لدى الدوائر المختصة، فإن التقرير الذي يقدمه السيد الأمين العام أمام مجلس الأمن الدولي يمر من قنوات عديدة، وتساهم فيه المنظمات غير الحكومية التي غالبا ما تكون منحازة أو مسخرة أو مغرضة أو متسلطة ضد وحدة المغرب الترابية، وهكذا أصبح شهر أبريل مزعجا، روتينيا، سنويا للدبلوماسية المغربية التي تظل تبحث طيلة السنة عن حلول ناجعة تساعد على حل هذه النازلة التي طال أمدها، وهي قضية اشتغلت على ملفاتها الدبلوماسية المغربية حوالي خمسة عقود بدءا من تقديم المغرب إلى هيئة الأمم المتحدة طلب إدراج قضية الصحراء المغربية في جدول أعمال اللجنة الخاصة بتصفية الاستعمار بالأقاليم الجنوبية المغربية سنة 1964، والتي كانت لاتزال تحت نير الاستعمار الإسباني.
وعلى إثر هذا الطلب، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا تحث فيه إسبانيا، بصفتها الدولة المستعمرة لهذه الأقاليم المغربية، على اتخاذ الإجراءات اللازمة فورا قصد الدخول في مفاوضات جدية لتصفية هذه الأقاليم المغربية من السيطرة الاستعمارية الإسبانية، حيث استجابت إسبانيا لطلب الأمم المتحدة وبدأت الجلاء سنة 1969، وهكذا توالت المفاوضات في هذا الصدد إلى أن تقاعست إسبانيا عن دورها في الجلاء عن الأقاليم المغربية، فكان أن نظم المغرب نحوها المسيرة الخضراء يوم 06 نونبر 1975 والتي بمقتضاها استكمل استرجاع أقاليمه الجنوبية “الصحراء المغربية”، بعدما أصدرت المحكمة الدولية بلاهاي حكمها باستمرارية مغربية الصحراء المغربية، وأنها لم تكن أرضا خالية بل هي أرض مغربية أبا عن جد وفق ثوابت لم تنقطع منذ الأزل، وتتمثل هذه الثوابت في ولاء سكان الأقاليم الصحراوية من خلال البيعة لملوك الدولة المغربية، والبيعة هي استمرار الولاء والتشبث بأهداب العرش العلوي المجيد.
أما ما يسمى بتقرير المصير الذي تطالب به الجارة الجزائر فقد عبر عنه رعايا الملك في الأقاليم الصحراوية منذ أن وجدوا على هذه الأرض الطيبة، وهم يجددونه بانتظام وأبا عن جد من خلال تأكيدهم لمغربيتهم وولائهم للعرش العلوي والبيعة التي يطوقون بها أعناقهم كل سنة أثناء عيد العرش المجيد؛ وإذا كان المغرب قد دخل في مفاوضات تتعلق بقضية صحرائه فهي ليست مفاوضات حول أراضيه أو أبنائه الصحراويين، بل هي مفاوضات يؤكد من خلالها مغربية الصحراء بحضور الصحراويين المغاربة أنفسهم، فهم الذين يديرون هذا الملف كما يديرون شؤونهم المحلية منذ أن تعانق سكان الشمال وسكان الأقاليم الجنوبية في المسيرة الخضراء وأدوا قسم المسيرة الخالد الذي لا يخلو منه بيت في الأقاليم الصحراوية، بما في ذلك المؤسسات العمومية والخصوصية إلى جانب صورة “ملك المغرب”.
كما أن هذه المفاوضات العقيمة أو تداول هذه النازلة المفتعلة في المحافل الدولية، إن كان المغرب قبل بالانخراط فيها فإنه لم يفعل إلا إرضاء لبعض الأشقاء والأصدقاء لتنظيم استفتاء تأكيدي، وإن كان العالم بأسره يدري جيدا أن الصحراء مغربية ولا ينازع فيها إلا مارق أو عاق أو شيطان أخرس.
ودعما لمغربية الصحراء، وجه حوالي 170 عضوا من مجلس النواب الأمريكي، في 27 أبريل 2007، رسالة إلى الرئيس الأمريكي الأسبق السيد جورج بوش يطالبونه فيها بدعم الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب والذي وصفوه بالواعد والتاريخي المبكر، وقالوا إن هذه المبادرة المغربية تعطي إطارا واقعيا من أجل حل سياسي متفاوض بشأنه لنزاع الصحراء. وأعتقد حازما بأن هؤلاء النواب المحترمين وهم الذين ينتمون إلى أكبر دولة ديمقراطية في العالم، كانوا يقصدون بذلك التفاوض بين المغرب والجزائر، حيث إن ما يسمى بجبهة البوليساريو ما هي إلا مواطنون انفصاليون محتجزون وإلى جانبهم عدد لا يستهان به من المواطنين المغاربة الذين ينتظرون الفرج من عند الله لكي يعودوا إلى وطنهم الأم المغرب، لأنهم اختطفوا منه كرها وهم يعانون يوميا من شدة ممارسة الانتهاكات الجسيمة النفسية والخوف والجوع والعطش وكل مقومات الحياة الكريمة في ظل انعدام أدنى حقوق الإنسان، والممارسات اللاإنسانية التي تطبقها عليهم جبهة البوليساريو، برعاية دولة شقيقة جارة هي الجزائر التي تجمع شعبها العادات والتقاليد والثوابت الدينية وحق الجيرة بالشعب المغربي الأصيل الذي يتميز بالتسامح وبالود والاعتدال والأخذ بالتي هي أحسن مع العدو قبل الشقيق والصديق، وإن الشعب الجزائري الشقيق لبريء من مناوأة الحكومة الجزائرية لقضايا الوحدة الترابية المغربية، وإن كان المغرب يتفادى دائما الدخول في مواجهة مع الشقيقة الجزائر، لأن المغربي الأصيل لا يمكن له أن يصف شقيقه الجزائري بالعدو وهو الذي تقاسم معه رغيف الخبز إبان المعركة الكبرى في النضال ومواجهة الاستعمار من أجل الحرية والاستقلال، فقد ضحى المغرب بالغالي والنفيس في سبيل تحرير واستقلال الجزائر، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، ولكن الأمر جاء مخالفا لهذا المبدإ السامي من طرف حكام الجزائر؛ وكيفما كان الحال، فالآمال مازالت معقودة على أن تعود المياه إلى مجراها الطبيعي وتفيض دماء المحبة والأخوة من خلال الندم على ما فات وضاع من تنمية دول المغرب العربي وشعوبه التي امتزجت دماء أبنائها من أجل الحرية والكرامة وأواصر الأخوة والمحبة والتعاون المثالي؛ لكن تحقيق هذه الآمال يبقى متوقفا على إرادة الأشقاء في الحكومة الجزائرية الجديدة القديمة، وعدم تناسينهم أن تقدم شعوب المغرب العربي يكمن في بناء صرح وحدة دوله الخمس، المغرب والجزائر وتونس وليبيا، وموريتانيا، وأن عرقلة مسار هذا البناء لا تخدم إلا الذين يطمعون في خيرات هذه البلدان الشقيقة المتفرقة في الكلمة والرأي والدفاع المشترك.
أما قرار مجلس الأمن الدولي الأخير ليوم 29 أبريل 2014، وإن كنت أشرت إليه في مدخل هذا المقال المتواضع، فهو أصبح روتينيا بالنسبة إلي ولم يأت بجديد وسوف لن يأتي بجديد، وإنه كان في عموميته دبلوماسيا فلم يعط هذا ويأخذ من ذاك، لأن الدول المتحكمة في الملف من مصلحتها أن يبقى الحال كما هو عليه، أما بالنسبة إلى المغرب فهو في صحرائه يبني ويشيد وينمي أقاليمه الجنوبية مثل أقاليمه الشمالية في انتظار أن يأخذ القرار الصائب في الوقت المناسب، إن ظل الطرف الآخر على عناده ولم يقر بمغربية الصحراء ويتعاون لتحقيق الغايات والأهداف النبيلة التي تمت الإشارة إليها أعلاه، ومفتاح الحل في هذا السياق بيد الحكومة الجزائرية.
وفي رأيي الشخصي، في انتظار ورود الحل النهائي وهو بيد الطرف الآخر، على الدولة المغربية أن تبقى يقظة ومستعدة لمواجهة كل الاحتمالات التي لا يمكن الهروب منها إن هي فرضت على المغرب؛ ولمواجهة أسوإ هذه الاحتمالات فإنه يلزم تقوية الجبهة الداخلية، وأول ما يمكن القيام به هو تكريس الأمن بعقلانية ووفق دراسة معمقة لما يمكن معالجته بالمقاربة الأمنية، وذلك في إطار القانون المنبثق من الحقوق والواجبات والمسؤولية، من خلال الخيار الديمقراطي والحرية العامة، واحترام حقوق الإنسان، والقضاء المستقل والنزيه، والدفع بعجلة العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، والتنمية المندمجة الشاملة لكل المناطق، والقضاء على اقتصاد الريع بكل أنواعه وبكل الوسائل المتاحة، وإطلاع الرأي العام الوطني بصراحة على مستجدات ملف النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، وإشراك الجميع -كل من موقعه- في المساهمة في تبني صورة موحدة لإيجاد حل ناجع لذلك، وتجديد تحريك الاتصال والتواصل مع كل دول المنطقة والدول الصديقة والمناوئة للمغرب، وتقوية التعاون الاقتصادي والسياسي والاجتماعي مع هذه الدول من خلال دبلوماسية متعددة المشارب والمستويات بإشراف من الدبلوماسية المهنية، وذلك لكسر الجمود في العلاقات الثنائية والانفتاح أكثر على العالم الخارجي، من خلال إعادة الانتشار الدبلوماسي وتوسيع جغرافية الدبلوماسية المغربية في القارة السمراء وآسيا وأمريكا اللاتينية، وإعادة تطبيع العلاقات الثنائية مع الدول التي تأثرت جراء نزاع الصحراء المفتعل، من أجل بناء جسر دبلوماسي قوي وصلب يعتمد عليه المغرب في قضاياه المصيرية ويجعل دبلوماسيته ذات طابع استباقي وهجومي إذا اقتضت الضرورة والمصلحة العليا للوطن، من خلال اتخاذ قرارات قوية ومشددة ضد كل من سولت له نفسه أن يعاكس المصالح المصيرية للبلاد، فضلا عن طابع الدبلوماسية النفعية المتغيرة والمتحركة في الرأي حسب الحالة والمصلحة، حتى يكون المغرب بالتالي قادرا، بدعم من الأشقاء والأصدقاء، على مواجهة كل التحديات التي يمكن أن تفرض عليه، بعدما يقفل هذا الملف، وهو ما سيضطر إليه في يوم ما، لأن المزيد من المفاوضات وقرارات مجلس الأمن الدولي ومبعوثي الأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء المغربية وتجديد قرار تمديد ولاية البعثة في 30 أبريل من كل سنة أمرٌ اعتاد عليه المجتمع الدولي، ولم يعط نتائج ملموسة تمكن من إيجاد حل نهائي متفاوض في شأنه، ولا أمل في الأفق لإيجاد حل نهائي لهذا النزاع المفتعل من خلال هذه الآليات التي عمرت طويلا في تاريخ الأمم المتحدة. وقد يكون المغرب تعرض للابتزاز المباشر أو غير المباشر، ماديا أو معنويا، فقد يكون، تحت الابتزاز المادي، فتح المجال أمام الظفر بمشاريع دون الخضوع لمعايير الشفافية والنزاهة أو ما يسمى بالمنافسة الشريفة؛ كما قد يكون تعرض للابتزاز المعنوي بدفعه نحو الخضوع والمساندة والدعم السياسي والدبلوماسي وإن كان الحق معه والصحراء صحراؤه، وهو فيها بقوة الشرعية والقانونية.
أما الذين يطالبون بتقرير المصير فأقول لهم إنكم حالمون وواهمون وملامسة السراب أيسر لكم من تحقيق ما تتطلعون إليه، لأن هذا المصير عبر عنه أصحابه باندماجهم في وطنهم الأم المغرب، وتجديد ولائهم للوطن والملك من خلال مبايعة ملك البلاد، ولقد أكدت هذا الاندماج الجماعة يوم 26 فبراير 1976، عندما صدر رأيها بتأكيد الاندماج وتصفية الاستعمار الإسباني وجلائه عن الصحراء المغربية.
إن قرار مجلس الأمن الدولي الأخير رقم 2152 الصادر بتاريخ 29 أبريل 2014، يمكن اعتباره إحباطا جديدا ومؤلما للبوليساريو والحكومة الجزائرية، ولعله شكل صدمة قوية تلقاها قادة البوليساريو، وقد يكون الانفصاليون فقدوا معه الثقة في النفس وقطعوا الأمل في تحقيق مشروعهم الوهمي.
وهذا القرار يشكل بالمقابل انتصارا للمغرب، مما سيعزز المسار المغربي الاستراتيجي ويحفزه على المضي قدما بإرادة قوية وثقة في النفس للمزيد من الإصلاحات والإنجازات المجالية، وأساسا مجال حقوق الإنسان والتنمية المستدامة في ربوع المملكة، كما أن هذا القرار الأممي يؤكد بوضوح وبموضوعية أن المغرب يحترم التزاماته إزاء هيئة الأمم المتحدة، ويعتبر إقرارا من لدن مجلس الأمن الدولي بمصداقية المغرب وجديته في تعاونه مع هيئة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بدبلوماسية احترافية ومهنية عالية.
“المساء” المغربية