الرئيسية / وجهات نظر / رسالة لصديقي المسافر إلى “إسرائيل”
a2b47ea0f1135e718f7738f520459577

رسالة لصديقي المسافر إلى “إسرائيل”

أكتب إليك يا صديقي اليوم، باسم ما تقاسمناه من لحظات إنسانية، وما تشاركناه من مواقف ووجهات نظر في قضايا عديدة ذات اهتمام متبادل. أكتب إليك، لأقول لك إنني أحترم آراءك وخياراتك الشخصية الأخيرة، لكنني أختلف معها على طول الخط، وأحبذ أن لا أجاملك، أو أحابيك، فالصداقة تفرض علي أن أقول لك إنني أراك مخطئاً، من وجهة نظري على الأقل، ومسيئاً للقضية العادلة التي تدافع عنها بشراسة واستماتةٍ، وصدق قل نظيره. أكتب إليك، وأنت تعرف أنني لست من المغالين، أو المتطرفين الذين يعمدون إلى تخوين الناس، والتحريض ضدهم، بناء على قراراتهم واختياراتهم، وتعرف أنني سأكون في الصف الأول لمن يتصدى لهم، ويدافع عن حقك في التعبير وحريتك في التنقل.
أفهم حماسك الكبير للتعريف بالقضية الأمازيغية في العالم، وفي مختلف الملتقيات والمنتديات الدولية، لكنني لا أفهم اختيارك القيام بذلك في دولة تمارس أبشع أشكال الاضطهاد والتمييز والقمع ضد شعب آخر. لا أفهم، لأنني عرفتك مقاوما للاستبداد، ومحاربا للاضطهاد والقمع بشتى أصنافه، وأينما كان، وبغض النظر عن هوية منفذيه. اعذرني، لكنك باختيارك المحاضرة عن “القضية الأمازيغية” في دولة تمارس الإجرام والتقتيل يضعك في موقف انفصام غريب وخطير، فهل يعقل لك أن تتحدث عن “الأبارتايد” الذي يمارس على الأمازيغية، من النظام المغربي على أرض يحكمها احتلال يمارس هو الآخر الأبارتايد بشكل فظيع. هل تغمض عينيك على الجرائم اليومية التي يقترفها الجيش الإسرائيلي في حق الشعب الفلسطيني؟ هل تعي أنك، بهذا، كمن يبكي على جريمة هنا، ويصفق لأخرى هناك؟ وهل تعي أنك بهذا تلصق بالمدافعين عن الأمازيغية تهمة، لطالما استخدمتها الدولة لاضطهادهم، وتبرير استمرار سلبهم حقوقهم الثقافية؟
صحيح أن اليساريين، ومثلهم الإسلاميون في المغرب، أخطأوا كثيراً، حينما اعتبروا القضية الأمازيغية مؤامرة دخيلة، وانتصروا لخطاب إقصائي، ينكرها ويعاديها، لكن هذا حصل في زمن غير الزمن. نعم، كان اليسار المغربي مخطئاً، حين اعتقد أن القومية العربية حقيقتنا المطلقة، وتعاملوا مع القضية الفلسطينية كقضية قومية، تخص العرب وحدهم، بينما هي قضية إنسانية وكونية، تعني كل من له ضمير في هذا العالم من أي عرق أو قومية. كانوا مدافعين فاشلين عن قضية عادلة، فلا تكن مثلهم، فكونهم اعتبروا قضية فلسطين مركزية، ورفضوا الاعتراف بوجود قضية أمازيغية لا يبرر الارتماء في أحضان إسرائيل، وإضفاء الشرعية على انتهاكاتها الصارخة لحقوق الإنسان.
لا يا صديقي، فمنطق عدو عدوي ليس صحيحاً، فالإسرائيليون لا يمكنهم أن يكونوا أصدقاءك، لأن المدافعين عن الفلسطينيين في بلدك أساءوا التقدير عن وعي، أو عن غير وعي. لا، يا صديقي، ليس هناك ما يبرر اتخاذ موقف مماثل، فالمبادئ كما تعرفها لا تتجزأ.
ثم كيف تسقط في فخ تبرير جرائم إسرائيل، بالقول إن ما ارتكبه النظام السوري من جرائم في حق شعبه يفوق ما ارتكبته إسرائيل في حق الفلسطينيين. كيف تعقد هكذا مقارنة يا صديقي؟ لا أصدق أنك تدافع عن جريمة، لأنها أقل من أخرى؟ لا يا صديقي، تلك جريمة وهذه جريمة، ومجازر العثمانيين في حق الأرمن في التاريخ القديم جريمة.
تعرف أنني أكره تجار المآسي والحروب، كما هو حال بعض مدعي الدفاع عن القضية الفلسطينية في بلدنا، ممن حولوها إلى أصل تجاري، كما أنني ضد إعداد لوائح “العار” و”الخيانة” للتشهير بالأفراد، وضد الدعوات إلى نصب المشانق والمحاكمات الإعلامية لمن يختارون طوعا زيارة إسرائيل، كما تعرف في الوقت نفسه موقفي الثابت المناهض للتطبيع، بعيداً عن الشعارات الرنانة والفضفاضة والمغالاة.
لست بصدد محاكمتك، لكنني أذكرك فقط، ولا أعتقد أنك نسيت أنك ناشط حقوقي، ومن المعيب أن يرتبط اسمك بمؤسسات تحمل أسماء مجرمي حرب، وتعد واجهة لأنشطة تابعة لجيش الاحتلال الاسرائيلي الذي وثقت تقارير منظمات حقوق الإنسان وكاميرات القنوات العالمية جرائمه التي لا تخطئها العين، أقول هذا، كما كنت سأقول الكلام نفسه لو تعلق الأمر بزيارة تضفي الشرعية على نظام مجرم آخر.
الخسائر من هاته الزيارة ستكون أكثر من الأرباح التي يمكن أن تجنيها القضية الأمازيغية، بل، على العكس، ستكون قد ساهمت، يا صديقي، في ترويج وتكريس صورة نمطية خاطئة عن المدافعين عن الأمازيغية، ليظهروا وكأنهم مصابون بـ “عمى إيديولوجي”، كحال علمانيي مصر الذين يدعمون نظاما عسكرياً شمولياً، لأنهم ضد الإخوان المسلمين. وأعتقد أن شرعنة جرائم الحرب، والدفاع عن الأبارتايد، لا يمكن أن يكونا وجهة نظر.
“العربي الجديد”