الرئيسية / وجهات نظر / معارك ملء الفراغ في الجزائر
d176d29b9c2243207af4aa37aac302dd

معارك ملء الفراغ في الجزائر

في العادة يخوض المجتمع السياسي والإعلامي في الجزائر حروبا هامشية، في فترات الفراغ السياسي، أو عندما يبتغي الماسكون بالحكم إلهاء الناس فترة معينة من الوقت من أجل هدف معين. يمكن تسميتها معارك ملء الفراغ.
وعلى الرغم من تدشينها للتو ولاية رئاسية جديدة للرئيس بوتفليقة وإقبالها على تعديل دستوري من المفروض أن يعبّئ المساحات الفارغة في النقاش العام، وجدت البلاد نفسها تخوض معركة من تلك المعارك السياسية الصالحة منذ الاستقلال في سنة 1962: معركة اللغة والأيديولوجيا.. معرب/مفرنس، ليبرالي/محافظ، وغيرها من الثنائيات.
كانت البداية قبل نحو شهر مع تعيين وزيرة لقطاع التعليم بدا اسمها غريبا عن الجزائريين، فسارع البعض إلى استنتاج أنها يهودية المنشأ. وقبل أن تستقر هذه «التهمة» أو تزول، اكتشف الجزائريون أن الوزيرة نورية بن غبريط رمعون، التي ستصنع مستقبل أولادهم وأحفادهم، متعثرة في اللغة العربية، بل لا تتقنها إطلاقا. ومرة أخرى، قبل ان يستقر النقاش حول اللغة، قررت الوزيرة منع محاضرة تاريخية عن تدريس اللغة العربية في العهد الاستعماري بالجزائر، كان سيلقيها وزير التربية والتعليم السابق علي بن محمد (لاحقا نفت الوزيرة أي دور لها في المنع).
هنا اكتملت وصفة دراما محبوكة، تعيشها الجزائر منذ استقلالها وتتوفر على قدرة لأن تعيشها مئة سنة أخرى.
منذ ما قبل الاستقلال، تنازَعَ قادة الحركة الوطنية الجزائرية حول اللغة والأيديولوجيا. وبعد الاستقلال امتد هذا النزاع إلى قلب الدولة الجزائرية الفتية. وفي منتصف سبعينات القرن الماضي تقاتل طلاب الجامعات للدوافع نفسها، فطعن المعرّب زميله المفرنس بسكين، وأراق المفرنس دم زميله المعرب بشفرة حلاقة. وما تزال تلك الأحداث خدشا بارزا في تاريخ الجامعة الجزائرية.
بعد كل هذا الزمن تعيش الجزائر الصراع نفسه بالمصطلحات والمفاهيم نفسها. مجتمع يعجز عن حل مشكلة ثقافية ولغوية طيلة 52 عاما، لا يمكن إلا أن يكون منكوبا ومستمتعا بنكبته. هذا هو حال المجتمع الجزائري بنخبه السياسية والثقافية والإعلامية والفكرية بمختلف اتجاهاتها.
المدرسة الجزائرية حقل تجارب مفتوح، وتلاميذها فئران يـُختبر فيهم ما بات يسمى الإصلاح. هذا الإصلاح، الذي كلما طُرح، اقتصر على جدلية اللغة والصراع بين العربية والفرنسية: أيُّهما أهم، وأيهما أولى، وما مكانة الفرنسية، ولماذا تأخرت العربية؟ والنتيجة التي تلوكها أطراف الصراع بعناد، هي: المتفرنسون والفرنكوفونيون يقولون ان اللغة العربية هي سبب تخلف منظومة التعليم في الجزائر، والمعربون والمتعصبون ضد الفرنسية يقولون أن الأخيرة لا تحمل الحل، بل تحول دون النمو الطبيعي للمدرسة، فيجب التقليل من انتشارها.
هذا الصراع موجود بقطبيته التقليدية في الأذهان، وحتى القلوب، قبل أن يوجد في الإدارات والمؤسسات. وهو الذي أوقف التطور الطبيعي لمنظومة التعليم في الجزائر. وعندما يحتدم النقاش في صفحات الجرائد والمنابر الثقافية، يسهل على المرء اكتشاف أن كثيرا من المتعصبين للغة العربية، يفعلون لأنهم لا يتقنون غيرها، وأن كثيرا من المتعصبين للفرنسية يفعلون منطلقين من جهلهم للغة العربية وخوفهم من اللغات الأجنبية الأخرى.
طبعا، لا يجب إغفال الدوافع الأيديولوجية والسياسية. والنتيجة المرَّة اليوم، هي أن المجتمع الجزائري لا معرّب بالكامل ولا مفرنس بالكامل. أجيال كبرت تعاني من أميِّة لغوية فادحة في الشارع والبيت والمدرسة. يتكلم أحد بالفرنسية فيوصف بالمغرور أو المتغرب، ويتكلم آخر بالعربية فيوصف بالعجيب!
لا يمكن أن يتمسك طرف هناك في الجزائر باللغة الفرنسية بينما يسافر ملايين الفرنسيين إلى بريطانيا والولايات المتحدة لتعلم الإنكليزية كلما أُتيحت لهم أدنى فرصة. ولا يمكن أن يتعصب الطرف الآخر للغة العربية ضد الفرنسية فقط لأن الأخيرة لغة المستعمِر السابق.
الجزائر اليوم بحاجة إلى نقاش علمي وثقافي ولغوي مجرد من العواطف، فالأمر يتعلق بمستقبل أجيال كاملة تكبر على هامش التطور الإنساني.
كي يخرج هذا النقاش بنتيجة مفيدة، يحتاج الأمر إلى نضج وشعور بالمسؤولية. الحل ممكن بل وسهل، لكن بقليل من الترفع عن العناد والتعصب وعن عقلية المنهزم والمنتصر.
لسوء حظ الجزائر أن محور أزمتها هو مع اللغة الفرنسية التي تشكل إرثا استعماريا فيه من السلبيات ربما أكثر من الإيجابيات.
ولسوء حظها أيضا أن الذين في هرم السلطة، في غالب الأحيان، يساهمون في إبقاء فتيل النقاش اللغوي مشتعلا. لا أحد منهم يعطي مثالا أو إشارة عن أية محاولة تصويب. على رأس هؤلاء الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.
في مقابلة مع صحيفة عربية دولية قبل اكثر من أربع سنوات، قال المؤرخ عثمان سعدي رئيس جمعية الدفاع عن اللغة العربية، أن العربية تراجعت في عهد الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة كما لم تفعل مع كل الذين سبقوه.
لم يفعل سعدي غير وصف ظاهرة قبيحة يصرّ عليها الرئيس الجزائري الحالي. فهو يخاطب مسؤولي الدولة بالفرنسية، ويسافر (عندما كان بمقدوره أن يفعل) إلى موسكو فيتكلم بالفرنسية، وإلى لندن فيخاطب مضيفيه بالفرنسية. ويذهب إلى جنوب إفريقيا فيفعل الشيء نفسه، وكذلك في إندونيسيا، وكأن الفرنسية هي اللغة الرسمية للجزائر.
إضافة إلى النقاش المجرّد والنضج والشعور بالمسؤولية، الجزائر بحاجة إلى نماذج إيجابية غير متوفرة حاليا. لا أمل في الأفق ورأس الدولة للدف ضارب.
“القدس العربي”