الرئيسية / وجهات نظر / حفتر.. بين «العار والنار»!
5fcc53eec4cc6af36b80744e0238b0d1

حفتر.. بين «العار والنار»!

غابت أخبار ليبيا عن صدارة الأخبار العربية والعالمية منذ سقوط نظام معمر القذافي، واحتفال بنغازي وطرابلس بقتله وإنهاء حكمه «الطائش»، لكن اللواء خليفة حفتر أعادها إلى الواجهة مرة أخرى!
يخطئ من يعتقد أن الليبيين بعد مقتل القذافي وشتات «جرذانه» ذهبوا إلى منازلهم المهدمة لإعادة بنائها آمنين، أو أنهم كانوا يضعون رؤوسهم للنوم كل ليلة بجفون آمنة مطمئنة على مستقبل بلادهم وأمنها واستقرارها وسيادتها.
يقول صديق ليبي يقيم في لندن (يرفض ذكر اسمه)، ليبيا تعيش على أرتال من الأحزان والآلام، يتفشى الإرهاب والفساد والمحسوبيات والاغتيالات، وتتكاثر الميليشيات، ويكثر القتل والسطو والخطف والتعذيب حتى الموت، وعناصر من نظام القذافي لا تزال تُمسك بمراكز حساسة في أجهزة الدولة.
ويشير ذلك الصديق الذي غادر بلاده قبل 35 عاماً، وعاد إليها بعد زوال حكم القذافي، إلى أن الليبيين يؤيدون حفتر، ويناصرون صولته ضد «الإخوان» والجماعات التكفيرية، لتطهير البلاد من تنطع تلك الميليشيات.
في ليبيا، عصابات وجماعات مسلحة ومتطرفة، ومنافقون وأصحاب مصالح سعوا منذ اللحظات الأولى إلى تقاسم ثروات ليبيا، ورسم دويلاتهم على خرائط ضيقة لا تكترث بمستقبل البلاد والعباد.
انتصرت الثورة على القذافي، لكن أخبار الاغتيالات والعصابات والعنف والخطف والأعمال الوحشية لم تغب عن المدن والمحافظات الليبية. في كل يوم تهب رياح الفتنة على ليبيا، ما كان يستوجبُ تدخل حكمائها ورجالاتها المخلصين لإنقاذها وحقن الدماء، بعد أن أصبح السلاح يرفع في الشوارع، وتتفاقم الفوضى الأمنية لتمتد على كل الأراضي الليبية.
أخيراً، التقيت أصدقاء ليبيين عدة، وكان الحديث معهم لا ينتهي عن مستقبل ليبيا. كان بعضهم يتبرّم من كثرة أسئلتي ويعتبرها أشبه باستجوابات صحافية، وآخر من التقيت قبل أسبوعين مندوب ليبيا السابق في الأمم المتحدة عبدالرحمن شلقم الذي ساند ثورة الشعب الليبي ضد القذافي منذ البداية. كان صريحاً كعادته، لافتاً إلى أن ليبيا تشتعل فيها النيران وتطوقها الأخطار والأقطار.
عدد من الليبيين يتهم دولة قطر بما يحدث في بلاده، ويستنكر تدخلها، وتدخل الداعية – القطري الجنسية المصري الأصل – يوسف القرضاوي في شؤونهم، وهو الذي دعا أخيراً إلى مواجهة «من يريد إسقاط الشرعية في بلادهم بحزم»، في إشارة إلى حفتر.
لا شك في أن ما يقوم به اللواء خليفة حفتر صادف مزاجاً شعبياً، لذلك يعتبره البعض بمثابة «المنقذ»، خصوصاً بعد إعلانه تنفيذ «عملية الكرامة» من أجل «تصحيح مسار الثورة لحماية الوطن والمواطن، بدلاً من أن تصبح دولة فاشلة راعية للإرهاب».
مما قاله حفتر في حوار مع صحيفة «الوطن» المصرية، إنه لن يترك فرداً واحداً من «جماعة الإخوان» على أرض ليبيا، وأنصارهم من «القاعدة»، وأن ليبيا ستحاكم كل من ارتكب جرائم في حق الشعب.
ويؤكد حفتر أنه أصبح يحظى بدعم واسع، والميليشيات لن تستمر طويلاً، ولم يعد هناك رأس تعوّل عليه بعد انضمام الداخلية والدفاع الجوي والقوات الخاصة والقبائل لـ«كرامة ليبيا»، ولم تبق إلا ميليشيات في طرابلس وبعض المناطق، ستتم مواجهتها وهزيمتها.
لا شك في أن لكل ثورة ثورة مضادة، والثورة التي لا تخدم الإنسان وتحميه وتقدم مصلحة الشعب، تدخُل إلى غرف الإنعاش أو تموت، وما يحدث في ليبيا منذ سقوط نظام القذافي يأخذ البلاد نحو مصير مجهول، وكان لا بد من ظهور حركة جديدة تحرك المزاج الشعبي «المغبون وغير الآمن»!
حفتر اليوم، هو نجم الساحة الليبية، ويصفه بعض الليبيين بـ«المُخلِّص»، بعد أن وصلت البلاد إلى حال من السأم والألم والاحتراق بنيران التكفيريين والأصوليين والوصوليين.
هناك معارضون من شعوب دول عربية – خصوصاً الخليجية – لحركة حفتر، وفق موازين ومقاييس مبنية على أفكارهم وعواطفهم واستنتاجاتهم الشخصية، من دون أن يكلفوا أنفسهم سؤال أصحاب الشأن عن حالهم وأحوالهم، وخطورة ما يحدث في بلادهم من نار وعار بفعل جماعات تقيم السجون غير الشرعية، وتعذب وتغتصب، وتجز رؤوس مخالفيها.
خلال الأعوام الثلاثة الماضية، سارت ليبيا على طرقات الموت والخطف والاغتيالات، وغاب القانون وتفشّت شريعة السلاح وتنامى الإرهاب، لكن قوات حفتر باتت تقترب من مواجهات حاسمة مع الميليشيات المتطرفة لاستعادة أمن ليبيا قبل أن تتجه إلى «العرقنة» أو «الصوملة» أو «النجرنة»، أو تصبح أشبه بـ«جزائر التسعينات»، ولا شك في أنه سينجح إذا ركز على مهمته وتحالفت معه مؤسسات الدولة والقبائل الليبية.
الكونغرس الأميركي لا يزال يرفض بيع أسلحة لليبيا، لكن الموقف سيتغير إذا نجح حفتر في إلحاق الهزيمة بخصومه من الجماعات المتطرفة، وسفارة واشنطن لدى طرابلس تتابع تحركاته، وفي الوقت نفسه تحرص على إبقاء قنوات اتصالها مفتوحة مع جماعة «الإخوان»، خشية أن تقود هجمات حفتر البلاد إلى حرب أهلية محتملة، باعتبار أنه لا يوجد في ليبيا طرف أقوى من الآخر، لكنها في الأخير ستتحالف مع الأقوى الذي يغير الوقائع على الأرض، خشية أن تخسر رهاناتها في ليبيا كما خسرت في مصر.
ليبيا دولة عربية ثرية بالنفط والموارد، وتمتلك موقعاً جغرافياً استراتيجياً، والأكيد أن «حلف الناتو» لن يسمح باستمرار الصراع والنزاع المسلح فيها خشية أن تتحول إلى دولة فاشلة تتحكم فيها العصابات والميليشيات المتطرفة، ويحكمها السلاح والخطف والاغتيالات كما في بعض دول أفريقيا، حتى لو اضطر إلى التدخل مجدداً، لذلك لا بد من وقوف كل الليبيين صفاً واحداً لمواجهة تلك الميليشيات والجماعات التكفيرية، ووقف التدهور الأمني وحقن الدماء، وقيادة بلادهم إلى برّ الأمان بدلاً من أن تتحول مسرحاً للتدخلات الخارجية، وناراً للمتطرفين.
“الحياة” اللندنية