الرئيسية / وجهات نظر / يا هؤلاء .. حفتر ليس حلاً
86df6859a97285afb5bc74e53cc53172

يا هؤلاء .. حفتر ليس حلاً

يتشاطرون في تصنيفنا، مناصرين للتكفيريين، نحن الذين نرتاب من الوطنية الزائدة عند عسكريينا، عندما تفيض عن حاجة أوطاننا، فيمحضون مجتمعاتنا بها، لحمايتها من الفوضى، ويتحركون بالدبابات، وبالبيانات إياها، لتحصين دولنا ممّا كانت ستصير فيه، لولا تلبيتهم نداء الواجب، إياه أيضاً. عليك أن تصدق هذا، وتمضي معه، وإلا فأنت في ضفة مَن يريدون تفكيك البلاد وتمزيق العباد… هذا حالنا، كما يرمينا به “شاطرون” متذاكون، في جرائد وتلفزات غير قليلة، لأننا لم نبتهج بالذي بادر إليه اللواء المتقاعد، والأسير السابق، خليفة حفتر، في ليبيا، عندما استنفرت جوانحَه ما تغالبه بلاده من رزايا، تقترفها مجموعات قاعدية الهوى، فلملم ما أمكنته اللملمة من عسكريين ومحاربين، رأوا أن سوانح قد تلوح لهم، إذا ما أوقدوا في بنغازي أولى مشاعل الحرب على الإرهابيين والتكفيريين، ومضوا في “تنظيف” ليبيا ممّن ليسوا على المنزع الذي يريدون، كما أوحى خليفة حفتر، العارف بوقع الجهر بمحاربة الإرهاب على الأميركيين الذين يحمل جنسيتهم وأقام بين ظهرانيهم عشرين عاماً، وتردد وشاع، والله أعلم، أنه كان لدى رونالد ريغان وجورج بوش الأب بديل معمر القذافي إذا أزفت ساعةٌ ما.
ترانا، فعلاً، حمقى إلى هذا الحد، وتعمَى أبصارنا عمّا فيه ليبيا من نفوذ ميليشيات وعصابات وولاءات فالتة، فلا نفرح بخليفة حفتر، ومَن معه، وهم ينقذون بلدهم الذي نكبه معمر القذافي عقوداً؟ يقول الرجل إن لديه تفويضاً شعبياً بمحاربة الإرهاب، وفي كلامه هذا رجع صدى لكلام زميل له في بلد عربي مجاور، ويقول إن العملية العسكرية التي بادر إليها إنما لإعادة “الكرامة” إلى بني جلدته. ويوافقه قذّافيون وقبليون و(ليبراليون) ليبيون كثيرون، ويعلن أنه إنما يريد دولةً مدنية في ليبيا، ولا شيء غير ذلك، ويطرب مثقفون ليبيون وعرب لهذا الطموح النبيل، ولا سيما أن مقتهم للإسلاميين الذين ينجحون في الانتخابات العربية، ومنها الأولى في ليبيا بعد خمسين عاماً، شديد. وإذا ما أساء الظنَّ أحد منّا، نحن الذين نتطيّر من الجنرالات الحاكمين، بأصحاب هذه الدعاوى، أو غشيه سوءُ طويّةٍ منهم، فإنه لا بدّ سيُحسَب ظهيراً للظلاميين، الداعشيين في ليبيا.
… لا يا هؤلاء، في راهن ليبيا أشياء من هذا، وأشياء من غيره. ونعرف أن فيها، قبل ذلك وبعده، سلطة مهتزّة، ودولة هشّة، فلا تتذاكوا علينا بتفسير الماء بالماء، غير أن خروج ليبيا من هذا الحال لا يجترحه رجل الهزائم العسكرية البائسة في صحراء أوزو، ولا تجريد أي عسكري طائش حملةً حربيةً غير معلومة النهايات والتداعيات. وببساطة، يستطيع خليفة حفتر أن يجمع عشرات الآلاف معه، وفي وسع غيره، ممّن لديهم حسابات وخيالاتٌ أخرى أن يجمعوا الأعداد نفسها. إنها متاهة مستجدّة تذهب إليها ليبيا، بهمّة الجنرال السبعيني الذي لا يبدو أنه أفاد من مقامه في أميركا عن المؤسسات كيف تقوم، وعن القوانين وبنائها، وعن الانتخابات كيف تتشكل منها فضاءاتٌ سياسية، وكيف تنزاح أخرى.
لسنا على حماقةٍ عظيمة حتى نظن أن تمريناً ديموقراطياً عابراً، ابتهج به الليبيون في انتخابهم نواباً لهم، إسلاميين وليبراليين، في برلمانهم الوليد، المؤتمر الوطني، صيَّر بلدهم كما أميركا. ولكن، إنها ليبيا يا هؤلاء، البلد الذي ما نُكب مثله بلد من انعدام السياسة عقوداً قذافية، تفاقمت في غضونها جبال الركاكة في اللانظام الذي كان قائماً إلى حد طالما أحرج إخواننا الليبيين من فرط تنكيتنا على ما كانت فيه “الجماهيرية العظمى” من رثاثة وبلاهة. كل الذي طفح في هذا البلد من نوائب ومصاعب، بعد انتصار ثورة 17 فبراير، (وإنْ بعون خارجي معلوم)، لا يخرج عن العادي، والذي لا نوافق عليه ولا نتفق معه. ولكن، يا له من منعطفٍ شديد الكارثية، ستذهب فيه ليبيا، لا سمح الله، لو انتصر مشروع خليفة حفتر، أو انتصرت تلك الميليشيات… ثمّة خيارات ورهانات أخرى هناك، يا هؤلاء، ستأخذ وقتها.
“العربي الجديد”