الرئيسية / وجهات نظر / تعديل الدستور الجزائري… من بوتفليقة “الطامح” إلى “الخالد”
6cd106c6c9eaae691a91562dec3d04eb

تعديل الدستور الجزائري… من بوتفليقة “الطامح” إلى “الخالد”

وزَّعت الرئاسة الجزائرية على من تسميهم الشخصيات السياسية وأحزاب المعارضة والمجتمع المدني مسودَّة مقترحات تتضمن تعديلات تتطلع لإدخالها على الدستور الجزائري للمرة الثانية في خمس سنوات.
نادرة هي الحكومات التي تتمتع بمثل هذا الحس من عدم المسؤولية وتعبث بأسمى نصوصها القانونية بهذا الشكل.
في الجزائر بات لكل رئيس دستوره، يُخاط له وفق فهمه ودرجة تمسكه بالكرسي. مع بوتفليقة هناك تعديلان تعرض لهما الدستور. الأول، في 2008، يمكن وصفه بتعديل بوتفليقة الطامح للخلود في الكرسي. والثاني، الذي نحن بصدده، هو دستور بوتفليقة بعد أن ضمن خلوده في الكرسي.
مشكلة الجزائر لم تكن يوما مع القوانين أو الدستور. فوثائقها ونصوصها القانونية أقرب إلى الكمال لأنها مستمدة من منظموات قانونية غربية معروفة، كالمنظومة الفرنسية، أو شرقية راسخة وعريقة كجذور الشريعة الإسلامية.
مصيبة الجزائر في الذين يجب أن يسهروا على تطبيق القوانين. هنا تلتقي قلة المعرفة مع التسلط والظلم ومع العناد وغياب الضمير وكل مسببات جعل القانون مجرد وثيقة لا قيمة لها. على كل المستويات، من أعلى هرم السلطة إلى رئيس أصغر بلدية في القطر.
ما يلفت في المسودة التي وزعتها الرئاسة نهاية الأسبوع الماضي على مَن تنتظر منهم ‘إثراءها’، سرعة تجهيزها ونشرها. ليس من عادة الرئاسة الجزائرية بقيادة بوتفليقة أن تتصرف تحت الضغط، ظاهريا على الأقل. كما ليس من عادتها أن تسارع إلى تعديل دستوري يُفترض أنه ليس في صالحها كونه يقلص من مكاسبها في دستور 2008.
بيد أن ما عجّل بنشر المسودَّة، الرغبة في سحب البساط من تحت أقدام جبهة المعارضة التي تكونت من مقاطعي انتخابات الرئاسة الشهر الماضي، وكانت تعتزم تنظيم ندوة وطنية مناوئة للسلطة آخر الشهر الجاري أو بداية المقبل.
تقترح المسودَّة حصر الفترات الرئاسية في واحدة قابلة للتجديد مرة واحدة، أي بالضبط ما كان عليه الحال قبل تعديلات 2008.
كما تقترح منح بعض صلاحيات رئيس الدولة إلى وزيره الأول، أي العودة إلى ما كان عليه الحال قبل تعديلات 2008.
على ضوء هذا ‘التراجع′، من حق المرء أن يسأل لماذا وُجدت تعديلات 2008 من الأساس.
كما تقترح المسودة إجراءات أخرى في مجال الحريات والحقوق، ستبقى حبرا على ورق ما لم تتوفر نية صادقة لدى الرئيس شخصيا والسلطة ككل لاحترامها وتقديسها، أو ما لم يُدفـَعا دفعا إلى احترامها.
أما أكثر ما يسبب التوجس تجاه مسودة التعديلات، فهي أن المدافعين عنها اليوم هم أنفسهم الذين دافعوا عن تعديلات 2008 وسوَّقوها للناس.
والسؤال هنا هو كيف ينهك إنسان نفسه في 2008 وهو يشرح للناس مزايا فتح عدد الولايات الرئاسية إلى ما لا نهاية، ثم يعود الشخص ذاته اليوم ليشرح مزايا تحديدها في واحدة فقط قابلة للتجديد مرة واحدة؟
ماذا اختلف في هذا الموضوع بين 2008 و2014؟ اختلف شيء مهم هو أن بوتفليقة، في 2014، ضمن بقاءه في السلطة إلى أن يموت.
وكيف يتعب إنسان في 2008 إقناع مواطنيه بأن منصب وزير أول أفضل للجزائر من رئيس حكومة، ‘حفاظا على مصدر وجِهة اتخاذ القرار’، ويعود اليوم ليقنعهم بأن العكس هو الأفضل؟
كل هؤلاء مقبلون اليوم على منعرج يقترب من مئة وثمانين درجة. ولا مشكلة لديهم طالما أن ‘المنعرجات’ هي وظيفتهم السياسية.. سبب وجودهم وذريعة مشاركتهم في الريع. في هذا السياق لا يمكن إغفال أن يكون السيد أحمد أويحيى هو اللاعب الأبرز في 2008 وفي 2014. في المرة الأولى جاء به بوتفليقة رئيسا للحكومة أربعة أشهر قبل التعديل الدستوري، فقام بالمهمة على أحسن وجه، وكان أفضل من دافع عن التعديل الذي أنزل رئيس الحكومة إلى مرتبة وزير أول بلا صلاحيات، وهو (أويحيى) ذاته رئيسا للحكومة.
وأويحيى اليوم، باعتباره مدير ديوان الرئاسة، هو الذي يلعب الدور الأساسي في تسويق التعديلات الجديدة إلى أن تصل إلى مبتغاها. لكن في الاتجاه الآخر تماما. ولا غرابة أن يفعل ذلك باستماتة وثقة نادرتين. وكما برَّر ببراعة الحاجة لعدم تحديد الفترات الرئاسية في 2008، سيبدع أكثر في تبرير ضرورة تحديدها في ولايتين في 2014.
الذين من خارج السلطة يعتزمون المشاركة في مناقشة مسودة الدستور سيتعاملون مع أويحيى باعتباره ممثل الرئيس في هذه العملية.
وما لا يستطيع كثيرون من هؤلاء إخفاءه هو الحرج الذي يفرضه هذا الوضع المستمَد من وجود شخص فقدَ مصداقيته وثقة الناس فيه ويمثل ورقة محترقة اجتماعيا وسياسيا وحتى أخلاقيا، بعد أن شارك في كل المهام وقام بكل الأدوار.
يبقى الأمل في أن يكون هذا الرجل مجرد وسيط بلا صلاحيات حقيقية ومؤثرة. في هذه الحال أيضا يجب أن نتطلع إلى أمل أن يقوم بمهمة ساعي البريد بأمانة ومسؤولية ويتوقف عندها.
لا مصداقية ولا ثقة في عملية لاعبها الأساسي أويحيى، بدورين متناقضين، كما جرت العادة. عودة هذا الرجل، بهذه القوة، لا يمكن أن تكون إلا نذير شؤم.
“القدس العربي”