الرئيسية / وجهات نظر / نحن بحاجة لدستور على مقاس وطن ..
49e07dc9f70664bfe408debf50645276

نحن بحاجة لدستور على مقاس وطن ..

في ظل الانسداد وانعدام التواصل بين أطياف المجتمع وفقدان الثقة بين السلطة والمعارضة “إن وجدت” وبين الطبقة السياسية – بمفهومها الجزائري – والمجتمع بكل فئاته، وفي ضل غياب ثقافة الدولة وقلة رجال الدولة وكثرة رجال السياسة والمتحزبين وما يسمى برجال الرئيس، تتوجه السلطة اليوم نحو البحث عن توافق ظرفي مصلحي متبادل بينها وبين المعارضة لتعديل الدستور قصد إضفاء المصداقية على العهدة الرابعة بتوريط الطبقة السياسية وإشراكها في العملية لاستقطابها كنوع جديد من التحايل ينسينا ورشات أخرى نحن بحاجة الى فتحها للذهاب نحو جمهورية جزائرية فعلية ننعم فيها بالديموقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية بعيدا عن الحقرة المهينة والاحتقار المقيت والتخلف وفساد الأخلاق ..
ورشة تعديل الدستور للمرة الرابعة في ظرف خمسين عاما بهذا الشكل المباشر والسريع لا يمكن أن يكون الغاية منه التأسيس لنظام حكم جديد مناسب للتحولات التي تشهدها الجزائر كما يشاع ، ولا يمكن لسرعة التعديل أن تلبي حاجة المجتمع الى التغيير والتجديد المنشود ، فالتعديل لا يمكن أن يشكل غاية في حد ذاته بل يراد منه ذر الرماد في العيون وإلهاء الناس عن الاختلالات الحاصلة وعن التحديات الكبرى التي تنتظرنا!! إنه تحايل على الطبقة السياسية لكي تنسى النقاشات التي كانت تدور قبل الرئاسيات وتتنازل نسيانا عن مطالب التغيير ومعالجة ملفات الفساد المتراكمة وإعادة فتحها ، وهو أيضا تحايل على الشعب الذي لم يفوض أحدا لتمثيله في مشاورات إثراء مشروع التعديل ..
جزائر اليوم لم تعد بحاجة أصلا الى تعديل الدستور بقدر حاجتها الى احترام الدستور وكل القوانين وبحاجة الى أخلقة الحياة السياسية والاجتماعية ، جزائر اليوم تحتاج إلى مصالحة حقيقية لتجاوز الأحقاد والإقصاء وتصفية الحسابات وتجاوز كل أشكال الممارسات الجهوية والمحسوبية التي تطغى على التعيينات في مواقع المسؤولية ، جزائر اليوم والغد بحاجة الى تقديس الجهد وتقدير الكفاءة واحترام سيادة القانون وليس تقديس الأشخاص وتشجيع الرداءة وحماية كل ناهب وسارق وفاسد ..
الجزائر تحتاج إلى فتح نقاش حول مشروع المجتمع الذي يلائم أبنائنا و وطننا على مدى الخمسين سنة المقبلة ، وبحاجة الى التخطيط على المدى المتوسط والبعيد لأن بناء مؤسسات مستقرة وقوية تكفل ضمان استمرارية الدولة في كل الظروف وحتى بتغير الأشخاص ..كما أننا بحاجة الى حلول حقيقية وليست ترقيعية لمشاكل أبنائنا في الجنوب وغرداية ومنطقة القبائل دون حسابات سياسية ودون عقد جهوية أو عرقية وبعد ذلك نتفرغ لبناء الانسان الجزائري الحديث بفكر متحضر مواكب لكل التحولات التي يشهدها العالم من حولنا ..
الجزائر بحاجة الى نفس جديد باشراك الجيل الصاعد في العمل السياسي وفي عملية التنمية من خلال مرافقته وتحفيزه وتلقينه مسؤولية المساهمة بتحميله إياها في كل الورشات السياسية والثقافية والاجتماعية والرياضية لأننا ندرك بأنه جيل متعلم و مثقف و واع ويحب وطنه إسوة بمن سبقوه، ولأننا ندرك أيضا بأن بوتفليقة و رفقائه من جيل الثورة “طاب جنانهم” ولم يعد بمقدورهم الانسجام مع التحديات الجديدة وحاجيات الجيل الصاعد وهي سنة الله في خلقه ..
الجزائر بحاجة الى فتح ورشات تكنلوجية وصناعية وفلاحية وثقافية وتربوية وسياحية لأننا بعد خمسين عاما من الاستقلال لا يزال مجتمعنا هشا ومترددا في الفصل في أمور الهوية واللغة والتاريخ واختيار المنظومة التربوية الملائمة لأبنائنا والتي تتغير كل موسم دراسي دون نتائج ملموسة !! أما المنظومة الاقتصادية التي ترتكز على مداخيل المحروقات وتهمل الفلاحة والسياحة فهي بحاجة الى ورشات لإعادة النظر في كل الاختلالات الحاصلة فيها والتي شجعت النهب والسرقة والرشوة والربح السهل وجعلت منا مجتمعا ماديا بحتا لا يعير أدنى اهتمام للمبادئ والقيم في العلاقات الانسانية .
الجزائر في حاجة الى تسليط الضوء على ورشة النهب الممنهج والعمل على تجفيف منابعه التي نخرت اقتصادنا من طرف عصابة لا تشبع تحالفت حتى مع الشر لتحمي بعضها البعض على حساب الاقتصاد الوطني وخيرات الوطن، وتحالفت فيما بينها من أجل الاساءة وإلحاق الضرر دون خجل بكل من تسول له نفسه التنديد بتصرفاتها والوقوف ضدها ..
كل هذه الورشات وغيرها ستبقى من أكبر التحديات التي تواجه الجزائر للوصول الى مجتمع متوازن ودولة قوية تناقش الخيارات التوافقية وليس فقط الدستور التوافقي، وجزائر تفتح ذراعيها لكل أبنائها وليس لفئة أو جهة دون أخرى ، وجزائر لا يقصى فيها أبنائها بسبب أرائهم وخياراتهم مادامت مساحتها تتسع لكل الأراء والأفكار . نحن بحاجة إلى ممارسات تكون دستورا معنويا يقف إلى جانب الضمير في كل تحرك من الأفراد أو باسم المؤسسات وليس الى دستور يتم افراغه من محتواه كل مرة من كثرة التعديلات ، ونحن بحاجة إلى دستور بمقاس وطن من حجم الجزائر وليس بمقاس شخص مهما كان وزنه ..
“الحدث الجزائري”