الرئيسية / وجهات نظر / أزمة المثقف العربي
f759cd5e66fcddccb2d9375512a98977

أزمة المثقف العربي

ربما لم تعش مجتمعات النخبة العربية “الانتلجنسيا” حالة انكشاف وتعر أخلاقي قيمي، كما هو حالها اليوم في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ المنطقة العربية، خاصة أن تأتي هذه المرحلة عقب واحدة من أعظم ثورات العرب إبهارا للعالم بسلميتها ومدنيتها ووضوح أهدافها المطالبة بالحرية والكرامة والديمقراطية.
حالة الانكشاف العربي الراهنة واضحة، لكنها لم تتجل بكامل صورتها كتجليها في حالة المثقف العربي الذي ربما لم يكن يتوقع مطلقا ما حدث ويحدث من حوله وأمامه من مشاهد وأحداث دراماتيكية لم تكن في حسبانه وبالتالي لم تستطع نرجسيته تقبلها، باعتبارها خارج نطاق توقعاته المؤدلجة أو الذاتية.
بيد أنه ليس من المنطق وضع حالة كهذه في إطار تعميمي شامل، فبالتأكيد ما زال هناك مثقفون عرب جسدوا حالة نضالية فارقه، قابضين على جمرة نار “برومثيوس” كمثقفين طليعيين، بهرتهم عبقرية هذا الجيل الذي حول عالمه الافتراضي إلى واقع، فيما ظلوا هم حبيسي جدران اليوتوبيا الافتراضية عقودا.
لكن قبل الولوج إلى نقاش هذه الإشكالية العربية، لا شك أن ثمة عددا من الاستفسارات ستواجه كل من يحاول الاقتراب من جدلية المثقف والثقافة وما بينهما، وتضع وراء كل “مفردة” من هذه المفردات أكثر من علامات استفهام، كمن هو المثقف؟ وما هي الثقافة؟ وما العلاقة بينهما؟ هذا عدا عن محاولة إسقاط هذه الجدليات على واقع المشهد العربي الراهن. إذن:
ما هي الثقافة؟
بعيدا عن جدلية عالمي الاجتماع الشهيرين الفريد كروبر وكلايد كلوكهون، وإحصائياتهم التعريفية لكلمة الثقافة، التي بلغت 164 تعريفا لما قد تعنيه كلمة الثقافة، كما في “المدخل إلى سيوسيولوجيا الثقافة” لديفيد إنجليز وجون هوستن، فلكم إذن أن تتخيلوا ما الذي ستعنيه كلمة الثقافة حينما يكون أبسط تعريف لها هو أنها في كل مكان من حولنا معنويا ومحسوسا، عادات وتقاليد وأديان ومذاهب وفن وعمارة ومسرح وشعر وكتب وسينما وهلم جرا.
تعتبر كلمة الثقافة من بين إحدى الكلمات الأكثر تعقيدا في اللغة الإنجليزية بحسب رايموند وليامز، إلا أن ثمة مجموعة من التعريفات الحديثة باعتبارها -أي الثقافة- تعني “تهذيب النفس” أو “الفن والحضارة” أو مجموعة القيم والأفكار لأفراد في مجتمع ما، وهي جلها تلتقي ربما مع ما قاله قبل ذلك، مالك بن نبي، حينما قال إن الثقافة هي مجموعة القيم التي يكتسبها الفرد في بيئته ومحيطه.
ولكي لا نذهب بعيدا في متاهة المصطلحات، فإن ثمة تطورا هاما برز في هذا السياق، بحسب الباحث عبد الرزاق الدواي في كتابه “حرب الثقافات” إذ يقول: إنه ابتداءً من النصف الثاني من القرن العشرين، صار بإمكان المهتمين بإشكالية الثقافة أن يرصدوا تغيرات هامة في الخطاب العام المنتج للثقافة، وهو أن مفهومها الدلالي أي الثقافة صار مرتبطا بقيم ومبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان بصفة عامة.
لا مجال إذن للحديث عن الثقافة بمعزل عن الديمقراطية وحقوق الإنسان التي أصبحت إحدى السمات البارزة التي تطبع نظام الفكر والقيم في عالم اليوم بحسب ميشيل فوكو، وهو ما يعني هنا أنه لا مكان للصيغة الماركسية للثقافة باعتبارها أيديولوجيا جامدة، فكما أن الثقافة قيم وسلوك حضاري، فهي في جوهرها أيضا إيمان بقدسية الحرية والكرامة كمشترك إنساني مقدس. إذن:
من هو المثقف؟
كثيرا ما يتم الخلط عربيا في تعريف وتحديد من هو المثقف لدرجة من التسطيح والسذاجة، التي تعكس مدى الأزمة التي تعيشها منظومة الثقافة العربية، باعتبار أن الثقافة هي نتاج للمجتمع وليس المجتمع نتاجا لها، بحسب كارل ماركس، ومن ثم كيف لمجتمع غارق في أزمات لا حصر لها، أن ينتج توصيفات وتعريفات دقيقة للأشياء والمعاني؟
فظل لفترة طويلة ينظر في العالم العربي من قبل قطاع كبير، على أن المثقف هو الشخص الذي يمتلك ذاكرة قوية في الحفظ والتكرار لكل ما يقرأ ويسمع، هذا عدا عن تلك الصورة النمطية بعد ذلك، التي غدت مرسومة في أذهان كثيرين ممن يعتبرون أنفسهم مثقفين لما وصلوا إليه من مكانة وظيفية بحكم ما تحصلوا عليه من شهادات علمية، لا تجعل من حاملها مثقفا بالضرورة، بقدر ما تجعله مصابا بمرض “التَعالُم” كما أسماه مالك بن نبي.
على أنه من المفارقات الغريبة، أن التراث العربي مليء بصور يمكن اقتباسها بوصفها صورا للمثقف العربي الطليعي وفقا للمفهوم الذي وضعه نعوم تشومسكي للمثقف باعتباره عدوا للسلطة، ومعارضا لها، وهي ما تكاد تقترب منها توصيفات إدوارد سعيد للمثقف بأنه ليس صديقا للسلطة، ومن مفارقتها أيضا هو اتساق مثل هذه التعريفات، مع مقولة جوزيف غوبلز -وزير الدعاية النازية – الشهيرة “كلما سمعت كلمة المثقف تحسست مسدسي”.
وكم تجلت مثل هذه التعريفات في تراثنا العربي بشكل كبير، من خلال تلك المعارك السياسية بغطائها الفكري، كما في قضية الإمام أحمد بن حنبل والمعتزلة، وقبله الإمام مالك وأبو حنيفة النعمان مع سلطتي الأمويين والعباسيين السياسية، وليست قصة الجعد بن درهم، وتاليا ابن تيمية والعز بن عبد السلام والحلاج والسهروردي عن كل ذلك ببعيد.
بيد أن التجلي الأوضح لمعنى المثقف بأبعاده المختلفة، فكريا وسياسيا واجتماعيا ومعرفيا أيضا، قد تجلت في الحالة اليمنية بشكل كبير من خلال علمين يمنيين كبيرين، هما أبو محمد الحسن بن أحمد الهمداني (280-336هـ) ونشوان بن سعيد الحميري (500-573هـ)، حيث خاض هذان المفكران معارك فكرية وسياسية ضارية ضد الظلم والاستبداد الكهنوتي، تاركين وراءهما تراثا من الجدل الفكري، الذي لا تزال امتدادات معاركه حاضرة في صلب العُقدة السياسية اليمنية الراهنة بكل تفاصيلها حتى هذه اللحظة.
باختصار، فإن المثقف شخص لا يختلف كثيرا عن غيره من أفراد مجتمعه سوى أنه حامي قيم الخير والعدل والحرية، ومدافعا عن المظلومين وحقوقهم، بحياة حرة كريمة، ولا يمكن أن يصبح يوما في جوقة الظلمة ومواكب المنافقين، متناقضا مع ما كان يبشر الناس به ويدعوهم إليه.
تجليات الأزمة
لا تغيب تجليات الأزمة العربية الراهنة ثقافيا عن رجل الشارع العربي البسيط، في ظل عصر الفضاءات المفتوحة والمباشرة، فكيف بالمراقب الخبير والمطلع على تفاصيل المشهد الراهن وتعقيداته، التي على وشك أن تعيدنا كعرب شعوبا وحكومات إلى المربع الأول، مربع الظلم والقهر والاستبداد بعد أن كنا على وشك تجاوزه نهائيا، وإلى غير رجعة.
فقد مثلت ثورات الربيع العربي المفاجأة واحدة من اللحظات التاريخية العربية الفارقة، التي بنجاحها قد تعيد تعريف كل مفردات هذه اللحظة العربية والإنسانية من جديد، بعد أن فقدت الكثير من هذه المفردات دلالاتها الاصطلاحية كاملةً، ولهذا كُثر المتآمرون داخليا وخارجيا على هذه الثورات، التي جُوبهت بثورات مضادة أكبر منها.
فما حدث لثورة 25 يناير المصرية من انتكاسة كبرى، وُئدت على إثرها ليس فقط الثورة بل مصر كلها، لتدخل في حالة من الانكماش، بعد أن كانت على وشك النهوض كأكبر دولة ديمقراطية، تقع في قلب الإستراتيجيات الدولية كلها، وانعكاسات مثل هذا التحول الكبير على مصر والعالم كله.
فهذه الانتكاسة المدوية -قطعا- ستكون لها تأثيرات سلبية إلى حد ما على مسارات مجمل تحولات الربيع العربي نحو الحرية والديمقراطية، والمؤسف جدا هنا، أن هذه الانتكاسة والسقوط لم يكونا إلا نتيجة طبيعية لأزمة مزدوجة يعيشها المثقف والثقافة العربية معا، كمثقف لا يحمل من الثقافة سوى اسمها، وكثقافة ككومة من تراث إشكالي متكلس وجامد، عصي عن الهضم والتحول وفق مقتضيات العصر وقضاياه.
صحيح أن إشكاليات التراث المتكلسة -عمليا- قد تم تجاوزها بمراحل كثيرة، لكن تبقى الإشكالية في بقاء مثل هذه البؤر التراثية مصدرا ملوثا، يمتاح منه مثقفو السلطات المستبدة وسدنتها ما يتخيرون من نصوص وتفسيرات تسعفهم في تكريس وشرعنة الظلم والاستبداد، وفتنة الناس الذين قد وصل الأمر ببعضهم إلى الكفر بكل هذا التراث جملة وتفصيلا، حينما يرون شيخا معمما يضع شخصا كقائد الانقلاب المصري ووزير داخليته في مصاف الأنبياء والرسل، مستدلا بآيات القرآن الكريم.
أزمة الثقافة العربية إذن كما أنها نتاج لهذا المجتمع واعتمالات بيئته هي أيضا نتيجة لإشكالية تراثية، لا طريق إلى حلحلتها دون إعادة قراءة ذلك التراث، قراءة علمية دقيقة، للخروج من دوامة التيه غير المنتهية هذه، وضرورة الفصل فيه، بين الدين والتاريخ، والديني والدنيوي، والمقدس والمدنس.
ولا تخفى في هذا السياق تلك الجهود الرائعة التي اشتغل عليها عدد من مفكرينا الكبار، كراشد الغنوشي وحسن الترابي ومحمد المختار الشنقيطي ومحمد عابد الجابري -رحمه الله- وخاصة في مشروعه الكبير نقد العقل العربي، وغيرهم من المفكرين التنويريين.
أزمة المثقف العربي
تجليات أزمة المثقف العربي اليوم تتمثل بحالة الانكشاف القيمي الكبير، التي سقط من خلالها كثير من أدعياء الثقافة ورموزها الذين كشفت الأزمة عن تناقضاتهم مع أبسط المسلمات الأبستمولوجية ورطاناتهم الأيديولوجية.
فبعد نضال البعض منهم طويلا، تحت لافتة تعزيز قيم العصر الثقافية كالديمقراطية وحقوق الإنسان، إذ به يسقط في أول اختبار واقعي بمدى إيمانه بتنظيرات نضالاته تلك، كالديمقراطية التي ناضل من أجلها طويلا، ها هو اليوم يقف ضدا منها ما دامت لم تأت به وبفريقه للسلطة.
فبعد صعود الإسلاميين ديمقراطيا بانتخابات هي الأولى في تاريخ المنطقة شفافيةً ونزاهة، كما حصل في مصر وتونس وليبيا، جن جنون هذه النخب الارستقراطية “الثقافة”، التي كانت تتوهم أنها البديل للأنظمة الساقطة، بحكم نخبويتها الأرستقراطية فحسب.
لذا رأينا كيف كفر شركاء الإسلاميين في الثورة وخصومهم الأيديولوجيين بالثورة وبديمقراطيتها الموعودة وكل مفرداتها ما دامت أن نتائجها ستأتي بالإسلاميين للسلطة، وذهبوا إلى أبعد من ذلك بالتحالف مع الأنظمة المنحلة للتخلص، ليس فقط من خصومهم الإسلاميين بل للتخلص من الديمقراطية ذاتها وإلى الأبد، في واحدة من أسوء حالات السقوط الأخلاقي قبل السياسي على الإطلاق.
حالة السقوط هذه كشفت مدى زيف هذه النخب وانتهازيتها، وحالة العزلة التي تعيشها بعيدا عن هموم الشارع وقضاياه، وفي الجهة الأخرى مثلما كشفت هذه الأزمة عن هذا السقوط الأخلاقي فقد انجلت أيضا عن نوع من المثقفين الحقيقيين الذين كانوا عند مستوى هذه اللحظة، كالمفكر العربي عزمي بشارة، الذي ظل عصيا عن التنميط وعن حالة الاستقطاب التي زجت بمعظم المثقفين في أتونها، ليظل صوتا حرا يصدح بما يعتقد صوابه ولو أغضب الجميع.
أما في الحالة اليمنية فتجلت حالة السقوط الأخلاقي هذه في تناقضات البعض مع أبسط رطاناته الأيديولوجية، حين ترى بعضا من مثقفي اليسار التقدمي الاشتراكي، متماهين سياسيا بل وربما معرفيا -وهنا تكمن الكارثة- مع نظرية كهنوتية لجماعة سلالية عنصرية، تؤمن بحقها المقدس بالحكم، وتسعى لتحقيقه واقعا بقوة عنف السلاح، بعد ما كانت قد أسقطت ثورة فبراير السلمية العنف والسلاح من المعادلة السياسية اليمنية تماما.
تتجلي أبشع صور هذا السقوط الأخلاقي في ارتهان هذه النخب لجماعة تكفر بإنسانية هؤلاء “التقدميين” كأنصاف بشر، حينما تصنف مجتمعهم كطبقات متفاوتة في كل شيء، حسب نقاوة ونوع جيناتهم وأعراقهم، وتكفر بكل قيم العصر وأبجدياته السياسية والمدنية الديمقراطية، فكيف يمكننا الجمع بين كل هذه التناقضات؟ التي لا تعبر سوى عن أزمة مثقف مرتهن لحاجاته المادية تحت غطاء وهم الخصومة الأيديولوجية مع من يعتبرهم خصوما أيديولوجيين، على حساب إنسانيته وحريته وكرامته.
ولا شك أن ما أحدثه الربيع العربي، وتجلى في عديد من محطاته في صور وأشكال شتى، ينبئ عن أزمة ثقافية وجودية ضاربة، تجلت بصورة مثقف يعيش حالة خواء قيمي وأخلاقي، سقط في أول نقطة اختبار حقيقية لإيمانه بما يدعي ويرفع من شعارات لم تكن إلا تهريجية مضللة، لتسويق ذاته المشوهة من الداخل بتناقضاته التي لا حصر لها.
“الجزيرة”